الصفحة 107 من 141

وكذلك قوله: (والقَصرُ والإفطارُ في السَّفَرِ رُخصةٌ) المراد به اعتقادُ حقِّيَّة التبديل والتأخير في أحكام الشرع باعتبار مصالح العباد فضلًا من الله الرحيم الودود. وأما بيانُ أنه رخصةُ إسقاطٍ أو رخصةُ ترفيهٍ، والأخذُ بالعزيمة أولى أو بالرخصة، فموضعُه علمٌ آخر، وله مجالٌ أوسعُ من مجالنا هذا، وقد ذكرناه في «شرح المنار» (1) .

قوله تعالى: ?وَإذا ضَرَبْتُمْ في الأَرْضِ? [النساء: 101] ، أي: إذا سافرتُم فلا إثمَ عليكم في قَصْرِ الصلاة.

فإن قيل: دلّت الآيةُ على جواز القَصرِ في السفر مطلقًا حتى أخذ بعمومها نفاةُ القياس ولم يُقدِّروه بمدَّة، وهو مذهب داود الظاهريّ (2) ، وأنتم قيَّدتُمُ النصَّ بلا دليل.

فالجواب: أن مطلقَ الضَّرْبِ ليس بمرادٍ بالإجماع، فقدَّرناه بثلاثة أيام بقوله صلى الله عليه وسلم: «يَمسَحُ المُقيمُ ... » (3) الحديث، لا يُقال: الحديث ورد في المسح فأنتم أبطلتُم النصَّ بالقياس وذلك لا يجوز، لأنا نقول: الحديث ورد لبيان مدة السفر، ولا تفاوت بينهما في ذلك.

وقوله تعالى: ?فَمَن كَانَ مِنْكُمْ مَريضًَا? [البقرة: 184] الآية، دليلٌ على جواز الإفطار في السفر.

قال: (والعاشر: نقرُّ بأن الله تعالى أمرَ القَلَمَ بأن يكتُبَ، فقال القلمُ: ماذا أكتُبُ يا ربّ؟! فقال الله تعالى: اكتُبْ ما هو كائنٌ إلى يوم القيامة، لقوله تعالى: ?وَكُلّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ في الزُّبُرِ* وَكُلّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٍ? [القمر: 52 ــ 53] ) .

(1) «منار الأنوار» للإمام أبي البركات عبد الله بن أحمد النسفي (ت710) رحمه الله تعالى، وهو متن معتمد في أصول الفقه عند الحنفية، ولهم به اعتناء خاص، فتناولوه بالشرح والتحشية والاختصار والنظم والتدريس. وانظر في ذلك «كشف الظنون» .

(2) انظر «المحلى» لابن حزم 5: 19، وقد ذكر أن أقل ما يُطلق عليه اسم السفر هو مسافة ميل، والميل ألفا ذراع.

(3) سلف تخريجه قريبًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت