وذهبت المشبِّهةُ والمجسِّمةُ والكرَّاميَّةُ إلى أنه تعالى متمكِّنٌ على العرش، واحتجُّوا بقوله تعالى: ?الرَّحْمَنُ عَلَى العَرْشِ اسْتَوَى? [طه: 5] ، وبأنه موجودٌ قائمٌ بنفسه، والعالَمُ موجودٌ قائمٌ بنفسه، ولن يُعقَلَ القائمان بأنفسهما من غير أن يكون أحدهما في جهةٍ من صاحبه.
والجواب: أن الآية من المتشابهات (1)
(1) كلام الشارح رحمه الله يُشير إلى الطريقة في التعامُلِ مع النصوص المُتشابهة، ويُمكن أن يزداد الأمرُ تفصيلًا ووضوحًا بأمور:
الأول: أن النصوص المُتشابهة لا تَصلُحُ أن تُتَّخَذَ أصولًا ثم يُبنى عليها ما يُعارِض محكمات الأدلة النقلية وقواطع الأدلة العقلية، فلا يجوز أن يُتَشَبَّثَ بظواهرها من غير ردِّها إلى الأصول الثابتة بالقواطع العقلية والنقلية (النصوص المُحكَمة) .
الثاني: أن النصوص المُتشابهة يجب أن تفهم على أساس التنزيه، لأن التنزيه مفهومٌ كليٌّ يدخلُ في فهم كلِّ نصٍّ من النصوص الشرعية، وليس مفهومًا جزئيًا يتمُّ إدخالُه في بعض النصوص دون بعض، بل هو جزءٌ من ماهيَّة النصِّ الذي لا يصحُّ فهمُ النصِّ بدونه
الثالث: أن التنزيه مُقدَّمٌ على الإثبات، لأنه الأصلُ، والناظرُ في النصوص الشرعية يجدُ هذا الكلام واضحًا، كما في قوله تعالى: ?ليسَ كمِثْلِهِ شَيءٌ وَهُوَ السَّميعُ البَصيرُ?، فقدَّم اللهُ سبحانه النفيَ الذي يُرادُ به التنزيهُ على الإثبات، وكذلك كلمة التوحيد المشرَّفة «لا إله إلا الله» قدَّم فيها النفيَ الذي يُراد به التنزيه على الإثبات، خلافًا لِمَا يفعلُه بعضهم من تقديم الإثبات على التنزيه مُدَّعين فهمَ السلف، وليتهم أثبتوا ونزَّهوا كما ادَّعَوا، بل أثبتوا وغالوا في الإثبات وتركوا التنزيه بحجَّة أنه باب إلى التعطيل، فوقعوا في التجسيم.
الرابع: التفويضُ والتأويلُ طريقان من طرق التنزيه، وليسا أصلًا من أصول الاعتقاد، بل الأصل كما ذكرنا هو التنزيه، فالتنزيه سابقٌ عليهما، لأنه مفهومٌ كليٌّ قطعيٌّ، والتأويلُ والتفويضُ طريقان للاجتهاد في فهم النصِّ، ودع عنك ما يُشاغب به بعضهم من خطر التأويل، فضلًا عمن يذكر المُؤوِّلة والمعطلة والملاحدة في سياق واحد، فإنه تهويلٌ لا قيمة له، لأن التنزيه في حقيقته هو نفيُ النقص عن الله، وهو المرحلة الأولى في فهم النص، فإذا فُهِمَ النصُّ على هذا الأساس يكون المرادُ من النصِّ معنىً كماليًّا حتمًا، ثم يأتي في المرحلة الثانية الاجتهادُ في تحديد هذا المعنى الكماليّ المراد، فمن لم يُعيِّنه وأحال علمَه إلى الله فهو المفوِّض، ومن اجتهد في تحديد المعنى الكماليّ المراد فهو المؤوِّل، ومن هنا لم يكن في الخطأ في التأويل خطرٌ، لأنه اجتهادٌ في إطار الكمال، فلو أخطأ في نسبة أيِّ معنى كمالي إلى الله لا يضرُّ، لأن الكمالات جميعها يجوز نسبتُها إلى الله، ولكن على المجتهد أن يتحرَّى الأصوب والأقرب، وفي الجملة هو مأجور على اجتهاده. أما من يُخطيء فينسبُ النقص إلى الله مُدَّعيًا الإثبات فإنه على خطر عظيم، لأنه يكون بذلك قد نقضَ أصلًا من أصول الاعتقاد وهو التنزيه.
وإذا تقرَّر عندك هذا علمتَ أن مَن يعترضُ على التأويل أو التفويض، إنما يعترض في واقع الأمر على التنزيه. فتدبَّر.