أقول: اعلم أن العالَمَ ــ وهو ما سوى الله تعالى ــ مُحدَثٌ، لأنه مُتغيِّرُ، وكلّ متغيِّرٍ حادثٌ، وحينئذ يستحيلُ أن يكونَ الباري تعالى وتقدَّسَ متمكِّنًا في مكانٍ، لأن العراءَ عن المكان ثابتٌ في الأزل، إذ هو غيرُ المُتمكِّن، وقد تبيَّنَ أن ما سوى الله حادثٌ، فلو تمكَّنَ بعد خَلْقِ المكان لتغيَّرَ عمَّا كان عليه، ولَحَدَثَ فيه مماسَّة، والتغيُّرُ وقبولُ الحوادث من أمارات الحَدَث، وهو على القديم محالٌ (1) ، وإلى هذا أشار بقوله: «فقبلَ خَلْقِ العرشِ أين كان اللهُ؟» (2)
(1) هذا الكلامُ أصلٌ من أصول الاعتقاد عند أهل السنة، وذلك لأن «ما ثبتَ قِدَمُه استحالَ عَدَمُه» والحدوثُ يستلزمُ العَدَمَ السابقَ واللاحقَ في الذات أو في الصفات، وهو محالٌ على الله تعالى.
(2) طرحُ هذا السؤال مهمٌّ لفهم مسألة التنزيه، لأنه ينقُلُ الإنسانَ من حالة التخيُّل التي تؤدي إلى التجسيم إلى حالة التعقّل التي تؤدي إلى التنزيه، فيتحصَّلُ له بإدراك هذه المسألة أن كلّ ما سوى الله حادثٌ، وهذا يستلزمُ أن الله كان ولم يكن معه شيء من هذا العالم، كما في قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي أخرجه البخاري (3192) : «كان الله ولم يكن شيء غيره» ، فإذا أدرَكَ هذه القضيَّةَ وأدرَكَ أن الإله لا يتغيَّر ــ لأن التغيُّر من صفات الحوادث، وبه استدل سيدنا إبراهيم عليه السلام على أن الكوكب والقمر والشمس ليست آلهة ــ، فوجبَ في العقل أن يبقى الإله على ما هو عليه قبلَ خَلقِ العالم، فيسهُلُ على المُعتَقِدِ بذلك أن يُدرِكَ تنزُّهَه سبحانه عن كل ما حدث بعد خلق العالم كالمكان والزمان والحدّ والجهة وغيرها، فإذا أردت أن تسلك طريق التنزيه فما عليك إلا أن تتعقّلَ هذه =
= القضيَّةَ، وإياك والتخيَّل فإنه أصل التجسيم.
وإذا لم تُرِد هذا التفصيل فقل: كان اللهُ ولا مكان ولا جهة، ولمَّا خلقهما لم يتغيَّر عليه شيء، لأنه سبحانه لا يَكتَسِبُ صفاتِه من خَلقِه، كما قال الإمام الطحاوي رحمه الله تعالى في «عقيدته» المشهورة: «ما زال بصفاته قديمًا قبل خلقه، لم يَزدَدْ بكونِهم ــ أي بوجودهم وحدوثهم ــ شيئًا لم يكن قبلهم من صفاته» . والله الهادي.