امرأته تفعل ما تشاء وتخلو بمن تشاء، ورغم علمه بما وقع تركها، وواضح أيضًا من سياق القصة أن المرأة كانت مسموعة الكلمة، لأمرها شأن، تستطيع الضغط على زوجها وغيره من رجالات الدولة بطريقتها الخاصة، حتى ينفذوا ما تريد، ولو كان إلقاء البريء الطاهر الكريم في السجن بضع سنين، فهي امرأة ذات منصب وجمال، تزينت وتهيأت وغلقت الأبواب، ودعت يوسف - عليه السلام - إلى نفسها، إلى الفاحشة والعياذ بالله، {وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ} ، فسرها غير واحد من السلف: هلم لك، تقول أنا لك، تعالى إلى من تملكك نفسها، وهي ذات المنصب والجمال، وعلى القراءة الأخرى: هئت لك، أي تهيئت لك. ومعنى القراءتين متلازمين، فهلم لك وتعال، ملازم لتهيأت لك وتزينت لك، هو فتاها الذي تملكه في عرف الناس، والعادة أن المرأة لا تكون طالبة، ومع ذلك هي تطلبه وتملكه نفسها وعرضها لها، أي فتنة أعظم من هذه الفتنة؟ مع شدة حاجة يوسف إلى الأنيس في غربته، وإلى المرأة في عزوبته وشبابه، والأبواب مغلقة، والخلوة تامة، والرجل حتى لو حضر، فرد الفعل المنتظر لا يهدد بالخطر، ومع ذلك كان الجواب المباشر {قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ} الالتجاء إلى الله، والاحتماء بجنابه، والتحصن بعصمته، فوالله لا ينجي من هذا الموقف إلا الله سبحانه، لاستعاذة يوسف فأعاذه الله من شر هذه المرأة، وصرف عنه السوء والفحشاء، وصرف عنه شر الشهوة المحرمة، وهذا أقصر الطرق وأيسرها للشباب في مواجهة فتنة الشهوات) [1] .
(1) تأملات إيمانية في سورة يوسف ص 63 - 64.