فوجب على العبد أن يخلص لله في عمله ليجعل الكبرياء والتوحيد لربه، (لَنْ يَنَالَ اللهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ المُحْسِنِينَ) (الحج:37) (ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالحُكْمُ لِلهِ العَلِيِّ الكَبِيرِ) (غافر:12) ،
الاسم الحادي والثلاثون من أسماء الله الحسنى اسمه الحكيم، فقد سمي الله نفسه به على سبيل الإطلاق مرادا به العلمية ودالا على الوصفية في كثير من النصوص القرآنية، وسماه به رسوله صلى الله عليه وسلم أيضا في النصوص النبوية، وقد ورد المعني محمولا عليه مسندا إليه، كما ورد في قوله تعالى: (رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الكِتَابَ وَالحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ) (البقرة:129) واسمه الحكيم في أغلب النصوص ورد مقترنا باسمه العزيز كقوله (هُوَ الذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ) (آل عمران:6) (إِنَّ هَذَا لَهُوَ القَصَصُ الحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلا اللهُ وَإِنَّ اللهَ لَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ) (آل عمران:62) (وَمَا جَعَلَهُ اللهُ إِلا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلا مِنْ عِنْدِ اللهِ العَزِيزِ الحَكِيم ِ) (آل عمران:126) ، وورد أيضا مقترنا باسمه الخبير واسمه العليم (الحَمْدُ لِلهِ الذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَلَهُ الحَمْدُ فِي الآخِرَةِ وَهُوَ الحَكِيمُ الخَبِيرُ) (سبأ:1) (وَهُوَ القَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الحَكِيمُ الخَبِيرُ) (الأنعام:18) (وَهُوَ الذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الحَكِيمُ العَلِيمُ) (الزخرف:84) (قَالُوا سُبْحَانَكَ لا عِلمَ لَنَا إِلا مَا عَلمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ العَلِيمُ الحَكِيمُ) (البقرة:32) (قَالَ بَل سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ العَلِيمُ الحَكِيمُ) (يوسف:83) .
وعند البخاري ومسلم ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ قَامَ فِينَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم خَطِيبًا بِمَوْعِظَةٍ فَقَالَ: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّكُمْ تُحْشَرُونَ إِلَى اللهِ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا:(كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ) أَلاَ وَإِنَّ أَوَّلَ الخَلاَئِقِ يُكْسَى يَوْمَ القِيَامَةِ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلاَمُ، أَلاَ وَإِنَّهُ سَيُجَاءُ بِرِجَالٍ مِنْ أُمَّتِي فَيُؤْخَذُ بِهِمْ ذَاتَ الشِّمَالِ فَأَقُولُ يَا رَبِّ أَصْحَابِي، فَيُقَالُ إِنَّكَ لاَ تَدْرِى مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ؟ فَأَقُولُ كَمَا قَالَ العَبْدُ الصَّالِحُ (وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شيء شَهِيدٌ إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ العَزِيزُ الحَكِيم ُ) قَالَ: فَيُقَالُ لِي إِنَّهُمْ لَمْ يَزَالُوا مُرْتَدِّينَ عَلَى أَعْقَابِهِمْ مُنْذُ فَارَقْتَهُمْ).
والحكيم اسم يدل على صيغة تعظيم لصاحب الحكمة، والحكيم في حق الله تعالى بمعنى العليم بالأشياء الذي أوجدها على غاية الإحكام والإتقان والكمال، وهو الذي يضع الأشياء في مواضعها، ويعلم خواصها ومنافعها، وهو الخبير بحقائق الأمور الذي يعلم ما خفي من أنواع العلوم، أما الحكمة في حق العباد فهي الصواب في القول والعمل بقدر طاقة البشر، وقد تحدثنا فيما سبق عن مناظرة جرت بين أبي الحسن الأشعري وشيخه أبي علي الجبائي في رجل أبي على الجبائي، فقال له: هل يجوز أن يسمى الله تعالي عاقلا، فقال الجبائي: لا لأن العقل مشتق من العقال، وهو المانع، والمنع في حق الله محال، فامتنع الإطلاق، فقال أبو الحسن الأشعري: فقلت له: فعلى قياسك لا يسمى الله سبحانه حكيما لأن هذا الاسم مشتق من الحكمة والحكمة مشتقة من حكمة اللجام وهي الحديدة المانعة للدابة عن الخروج، ويشهد لذلك قول حسان بن ثابت رضي الله عنه: فنحكم بالقوافي من هجانا: ونضربُ حين تختلط الدماء، وقول الآخر: أبني حنفية حكموا سفهاءكم، إني أخاف عليكمو أن أغضبا، أي نمنع بالقوافي من هجانا، وامنعوا سفهاءكم.