فهرس الكتاب

الصفحة 166 من 248

(قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ) (هود:87) يعني اصبر علينا أو دعنا على ما نحن فيه.

ويدخل في معنى الحلم الحلم وهو بلوغ الصبي مبلغ الرجال الحكماء العقلاء: (وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ) (النور:59) ، (فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ) (الصافات:101) يعني لديه أناة وبصيرة وحكمة من صغره، والله حليم متصف بالحلم، والحلم صفة كريمة تقوم على الحكمة والعلم والصبر، والحليم سبحانه صبور يتمهل ولا يتعجل، فهو سبحانه يمهل عباده الطائعين ليزدادوا من الطاعة والثواب، ويمهل العاصين لعلهم يرجعون الطاعة والصواب، ولو أنه عجل بالجزاء أحدا ما نجا أحد من عقاب، ولكن الله سبحانه هو الحليم ذو الصَّفحِ والأناةِ، استخلف الإنسان في أرضه واسترعاه، واستبقاه في هذه الحياة إلى يوم موعود وأجل محدود، فأجل بحلمه عقاب الكافرين، وعجل بفضله ثواب المؤمنين.

واسم الله الحليم يدل علي ذات الله وعلي صفة الحلم بدلالة المطابقة وعلي ذات الله وحدها بالتضمن صفة الحلم وحدها بدلالة التضمن ويدل باللزوم علي الحياة والقيومية والسمع والبصر والعلم والقدرة، والغني والعزة، والرأفة والرحمة والعلو العظمة، واسم الله الحليم دل علي صفة من صفات الذات والفعل معا.

كيف ندعو الله باسمه الحليم دعاء مسألة ودعاء عبادة؟، دعاء المسألة كما في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري من حديث أَبِى العَالِيَةِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضى الله عنهما قَالَ: (كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَدْعُو عِنْدَ الكَرْبِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ العَظِيمُ الحَلِيمُ، لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ، رَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ) ، وعند رواه الترمذي أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَدْعُو عِنْدَ الكَرْبِ: لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ العَلِيُّ الحَلِيمُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ رَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ رَبُّ السَّماَوَاتِ وَالأَرْضِ وَرَبُّ العَرْشِ الكَرِيمِ.

أما دعاء العبادة، فهو تأثر المسلم في عبادته بتوحيد الله في اسمه الحليم، فيكون حليما صبورا يتأني في رأيه وحكمه، وقوله وفعله ويتخير ما هو أنفع له وللآخرين، ويبادر بالتوبة إلى الحليم الرحيم، وعند مسلم من حديث ابْنِ عَبَّاسٍ أنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم َقَالَ لِلأَشَجِّ بن عَبْدِ الْقَيْسِ: (إِنَّ فِيكَ خَصْلَتَيْنِ يُحِبُّهُمَا اللَّهُ الْحِلْمُ وَالأَنَاةُ) وفي روية أخرى عند أي داود وحسنها الشيخ الألباني: (إِنَّ فِيكَ خَلَّتَيْنِ يُحِبُّهُمَا اللَّهُ الْحِلْمُ وَالأَنَاةُ، قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَا أَتَخَلَّقُ بِهِمَا أَمِ اللَّهُ جَبَلَنِي عَلَيْهِمَا قَالَ: بَلِ اللَّهُ جَبَلَكَ عَلَيْهِمَا، قَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَبَلَنِي عَلَى خَلَّتَيْنِ يُحِبُّهُمَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ) ، وروى البزار وقال الألباني صحيح لغيره من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا يؤمن عبد حتى يأمن جاره بوائقه ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليسكت إن الله يحب الغني الحليم المتعفف ويبغض البذيء الفاجر السائل الملح.

قال ابن القيم: وهو الحيي فليس يفضح عبده عند التجاهر منه بالعصيان، لكنه يلقي عليه ستره فهو الستير وصاحب الغفران، وهو الحليم فلا يعاجل عبده بعقوبة ليتوب من عصيان، وهو العفو فعفوه وسع الورى لولاه غار الأرض بالسكان، سبحانك وبحمدك على حلمك بعد علمك، سبحانك وبحمدك على عفوك بعد قدرتك، والسلام عليكم ورحمة الله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت