يقدم الأعلم في الفتوي، فالفقيه العالم، ليس كطالب العلم، وكذلك الأعلم في الطب، حتى لو كان من غير قرابتك، أو من غير جماعتك، أو على غير ملتك، فبسبب الصفات تتعلق النداءات والدعوات، ومعدوم الصفات كالأموات لا يتوجه إليهم إلا أغبى الخلق عقلا، وأردؤهم فهما، ولذلك فإن الشرك ظلم عظيم، وإفك مبين، لأن المشرك يشبه المخلوق الذي لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا بمن كانت أزمة الأمور بيديه ومرجعها إليه، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن.
يشبه المخلوق بالخالق والمملوك بالمالك، فيعظمه كتعظيم الله، ويحبه كمحبة الله، كما قال جل في علاه: (وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهمْ كَحُبِّ اللهِ وَالذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا للهِ) ، ولما عذبوا في جهنم قالوا: (وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ تَاللهِ إِنْ كُنَّا لفِي ضَلالٍ مُبِينٍ إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ العَالمِينَ) فسوا بين الله الذي له الأسماء الحسنى والصفات العليا، وبين آلهتهم التي لا تملك لنفسها نفعا ولا ضرا، سوا بين الله وبين آلهتهم في المحبة التعظيم والذكر والدعاء والخوف والرجاء، ووصفوهم بالمدح وترديد الأسماء، فمن قائل: شيخي الرفاعي له بين الوري همم: نصالها ماضيات تشبه القدر - دخلت في ظلها أبتغي التفيؤ من: رمضاء دهري فجاء الدهر معتذر - نسب إليه كمال العلم والقدرة والإرادة والقوة، والعزة والهيمنة، والملك والسلطنة، وهو مخلوق ميت من أحوج الخلق إلى دعاء أهل لحق، والله أعلم بحاله وأين يكون في مآله؟ واسمع إلى آخر يصف معبودة بأنه يتوب على من يشاء ويغفر لمن يشاء، فقبحا وبؤسا لهؤلاء، يقول هذا الجاهل: وقفت بالذل في أبواب عزمكموا: مستشفعا من ذنوبي عندكم بكموا - أعفر الخد ذلا في التراب عسي: أن ترحموني وترضوني عبيدكموا - فإن رضيتم فيا عزي ويا شرفي: وإن أبيتم فمن أرجوه غيركموا - يمدحونهم بالكمال وهم أولى بالنقائص ويتركون رب العزة والجلال وهو أولى بالكمال، فإذا قال أحدهم في الرفاعي أو البدوي: غوث وغيث في الوري فيمينه: يرتاح من راحاتها مسكينه - تسدي العدو من العدو تصونه: هذا رجائي عنده وأظنه - قبل الرجاء من المقل المجهد - ذو الفقر والفاقات يسعي زائرا: ولظهر بحر النيل يركب سائرا - أفلا يكون لي القبول بلا مرا: لاسيما ولقد أتيت مبادرا - أسعي إليه من الرحاب الأحمدي - إذا قال ذلك في الرفاعي أو البدوي، فماذا ترك لله عز وجل؟، انظروا إلي تعظيمهم لشيخ العرب في هذه الأبيات الشعرية، ووصفهم له بأوصاف الربوبية: يا من هو البحر الخضم إذا جري: جاءت لك الزوار من أقصي القرى - كل ينادي يستغيث لما جري: فلقد حويت الفضل يا غوث الورى.
والله عز وجل لما ذكر معبوداتهم وصفهم بالنقص في مقابل وصفه بالكمال فقال: (إِنَّ الذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلا تُنْظِرُونِ) (الأعراف:195) (قُلِ ادْعُوا الذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلًا) (الإسراء:56)
فالذي يدعو الميت يثبت له بصورة حتمية أوصاف الربوبية، فالذي يقول مدد: يثبت الداعي صفة الحياة للمقبور لأنه لو اعتقد أنه ميت ما توجه إليه بالنداء والدعاء، أبالله عليكم أيها العقلاء، ما تقولون في رجل توفي أبوه، فذهب إلي قبره ودعاه، وناداه أبتاه أجبني أغثني؟ تقولون عن هذا مجنون، ولا تقولونه لمليون أو سبعة مليون ممن يشدون الرحال ويذهبون يتراقصون في الموالد، يقبلون الأعتاب، ويستغيثون بسكان الأضرحة والقباب؟