فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 74787 من 82138

ولم يكن سحنون ليغفل عن بسائط الأمور ومستصغرها فينقل من يسوء سلوكهم إلى جوار قوم صالحين وكان يأمر بمنع كل ما يمكن ان يلحق ضررا بالمجموعة وبلغ به الأمر إلى حد الأمر بقتل الكلاب. ولم يكن سحنون يخشى في الله لومة لائم وما كان يعظم في عينه أي عظيم.

قال أبو العرب: كان لا يهاب سلطانا في حق يقيمه عليه ولما أكثر من رد الظلامات من رجال ابن الأغلب وأبى ان يقبل منهم الوكلاء على الخصومة الا بأنفسهم وجه إليه الامير وقد شكوه إليه بأنه يغلظ عليهم فأرسل إليه ابن الأغلب وقال: أنهم فيهم غلظة وقد شكوك ورأيت معافاتك من شرهم فلا تنظر في أمرهم.

فقال سحنون للرسول: ليس هذا الذي بيني وبينه قل له خذلتني خذلك الله.

فلما أنهى الرسول الرسالة إلى الامير قال له ما نعمل؟ إنما أراد الله وقال ابن الحارث: قيل لسحنون: هذا منصور دخل تونس بالحرائر فركب وانتزع منه ما بيده فدخل منصور على ابن الأغلب وقد شق ثوبه وشكا إليه ما نزل فأرسل ابن الأغلب إلى سحنون ان تصرفهم على منصور، مرة وثانية وثالثة. فقال: لا افعل.

واقبل ابن الأغلب حتى دنا من موضع سحنون وضربت له قبة نزل فيها وقد استشاط غيظا لمصادمته إياه على منصور ودعا فتى فقال له اذهب إلى سحنون فقل له اردد السبي على منصور وإلا فائتني برأسه.

فجاء الفتى إلى سحنون يبكي ويتضرع ويقول: أمرت فيك بعظيم. فاخذ سحنون رقا فكتب بعد الاسم "ويا قوم مالي ادعوكم إلى النجاة وتدعونني إلى النار" الآية ودفع الكتاب للفتى ثم قال: ادفعه لابن الأغلب فلما قرأه أمر برفع مضربه واحتجب ثلاثا ثم قال لمنصور: سلني عما شئت من جوابك واعرض عن خبر سحنون.

وكان ابن الأغلب يقول في قضيته مع سحنون. ان سحنون لم يركب لنا دابة ولا أثقل كمه بصرة فهو لا يخافنا.

وكان لهذه المواقف الجسورة في الحق أثارها على حساده الذين سعوا بكل جهودهم من اجل الوقيعة بينه وبين الأمراء وكان على رأس هؤلاء ابن أبي الجواد المعتزلي القائل بخلق القرآن وبلغ المكر والكيد بابن أبي الجواد إلى درجة أوغر بها صدر الامير زيادة الله الا غلبي الذي دعا عامله على القيروان إلى ضرب سحنون بخمسمائة سوط وحلق رأسه ولحيته لولا ان وزيره علي بن حميد حذره من مغبة الإهلاك نظير مع وقع للعكي عندما ضرب البهلول بن راشد.

وكان سحنون يرى في ذلك المنة والفضل لله وحده الذي سخر من يشاء من عباده لصرف الشر والضرر عن أوليائه.

وامتحن سحنون عند تولي احمد بن الأغلب الإمارة وإلزام الناس بالقول بخلق القرآن وأرسل من يلاحق سحنون عند عبد الرحيم الزاهد واختار لذلك رجلا يبغض سحنون ويكرهه وهو ابن سلطان الذي تغير موقفه من سحنون بمجرد أن وصله وعبر عن استعداده لبذل دمه فداء لسحنون فأبى سحنون وشكره ثم رافقه إلى الأمير وسط دعوات أصحاب سحنون وتلاميذه بالهلاك على هذا الأمير الظالم.

ـ [ربى الجزائرية] ــــــــ [15 - 11 - 09, 07:18 م] ـ

وسئل سحنون عن القرآن فأجاب بحضور رؤوس الاعتزال الذين كانون محيطين بالأمير (أما شيء أبتديه من نفسي فلا ولكني سمعت من تعلمت منه وأخذت عنه كلهم يقولون: القرآن كلام الله غير مخلوق) .

فقال ابن أبي الجواد: كفر فاقتله ودمه في عنقي وقال غيره مثله وقال آخرون: يقطع أربعا ويجعل كل ربع بموضع من المدينة ويقال هذا جزاء من لم يقل بكذا.

ورأى بعض أصحاب السلطان من رجال السنة أن يلزم داره فلا يفتي ولا يسمع أحدا فوقع الاتفاق على ذلك.

وتعرض سحنون وهو في طريقه إلى قصر الأمير إلى محاولات مبيتة لقتله بطرق مختلفة ولكن الله نجاه منها.

لقد كان سحنون ورعا تقيا عالما عازفا عن الحياة الدنيا وبهارجها مؤثرا ما بين يدي الله قال حمديس:

دخلت عليه يوما وهو يأكل خبزا يبلله في الماء ويغطسه في الملح فقال: أما إني لم أكله زهادة في الدنيا ولكن لئلا احتاج إلى هؤلاء فأهون عليهم ثم صاح بجارية فاتت بصرة فيها عشرون دينارا فقال: ادفعه لثلاثة رجال صالحين ممن يسكن عندهم فان لم تجد فإلى اثنين فان لم تجدهما فإلى واحد.

ولو نحن واصلنا استعراض مواقفه لاستغرق ذلك منا الحيز الواسع لكننا لن ننهي الكلام دون أن نذكر ان سحنون يرجع إليه الفضل في هذه الديار الإفريقية إلى توحيد وتركيز مذهب الإمام مالك ونشره في هذه الربوع بعد ان تلقاه عن تلاميذ الإمام. إذ ان الفقر هو الذي أقعده عن إدراك الإمام مالك. وضمنه في موسوعته الخالدة المدونة الكبرى أساس المذهب المالكي وعموده الفقري واللائحة المبينة والمفصلة للموطأ أول كتاب دون بعد كتاب الله العزيز والإمام سحنون يرجع إليه الفضل في تكوين من تخرج من القيروان وافريقية وما وراءهما من علماء أعلام نشروا الإسلام وحافظوا على أصوله وأناروا للأمة الطريق المستقيم حتى غذت بحمد الله ولا تزال على المحجة البيضاء التي لا يزيغ عنها إلا هالك.

رحم الله الإمام سحنون وجازاه الله عن أمته ودينه وأهل افريقية خير الجزاء.

وكانت وفاة سحنون في سنة أربعين ومائتين للهجرة ودفن بالقيروان وقبره معروف هناك.

مدونة الإمام سحنون في طبعة محققة مدققة:

المدونة الكبرى كان مركز الدراسات الإسلامية بالقيروان عقد قبل سنوات قلائل ندوة حول الإمام سحنون تم نشر أعمالها تضمنت عدة بحوث قدمها مختصون في المذهب المالكي حول هذا العلم التونسي "الإمام سحنون" رحمه الله وحول آثاره العلمية ودوره الريادي والتأسيسي للمذهب المالكي. وقد تمنى الباحثون آنذاك لو أن مركز الدراسات الإسلامية ينهض بإعداد طبعة جديدة لمدونة سحنون تكون محققة مدققة تيسر على الدارسين سبل الاستفادة من هذه الموسوعة الفقهية المالكية التي جمع الإمام سحنون مادتها وحقق مسائلها ورحل في سبيل تأليفها من القيروان إلى الحجاز ومصر حيث عرض محفوظاته ومروياته وما دونه من مضامينها على أشهر تلاميذ الإمام مالك وألصقهم به وأكثرهم الماما بمسائل مذهب إمام دار الهجرة.

(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت