ـ [ابونصرالمازري] ــــــــ [09 - 11 - 09, 01:47 ص] ـ
الحمد لله الذي أنقدنا بنور العلم من ظلمات الجهالة، وهدانا بالاستبصار به عن الوقوع في عماية الضلالة، ونصيب لنا من شريعة سيدنا محمد أعلى علم واوضح دلالة، والصلاة والسلام عليه وعلى آله أصحاب الهداية، وبعد،
إن التعريف والتقديم لمدونة الإمام مالك، أو المدونة برواية سحنون هي فكرة قديمة جديدة، فهي قراءة قمت بها سابقا حول مكانة ومنزلة المدونة في الفقه المالكي، وهي أيضا هذه المحاضرة التكميلية للندوة التي قدمتها مع المجلس العلمي بتازة حول أصل"الموطأ في المذهب المالكي"، وهذا المعطى الأخير يرتب علي أمرا وهو الشكر والتقدير للمجلس العلمي الذي يحرص على توسيع أفق المعرفة الفكرية لتشمل قراءة التراث في إطار الواقع، وكذا الاهتمام بالمستجدات بصيغ ملائمة لتطورات وظروف المجتمع.
قصة تدوين المدونة:
ليس في المذهب المالكي كتاب نال من الاهتمام والتقدير ما نالته مدونة الإمام مالك ـ أو المدونة برواية سحنون ـ سواء على ألسنة المتقدمين أو المتأخرين فهي أصل علم المالكية ـ بعد الموطأ ـ فقد ضمت بين دفتيها أفكار أربعة مجتهدين أسٌسوا عليها قواعد المذهب ولم يبخلوا عليها بما أتاهم الله من علم وفهم للنصوص وهم مالك (ت 179 هـ) وسحنون (ت 240 هـ) وابن القاسم (191 هـ) وأسد ابن الفراث (ت 213 هـ) (1)
وهذه هي الخاصية الأقوى في هذا الكتاب المعروف بالمدونة و بالمختلطة أو مدونة سحنون.
قصت تأليف هذا الكتاب تبدأ حين سئل الإمام مالك عن أسئلة كثيرة، فأجاب عنها ودونها تلاميذه، وأول من كتب ذلك أسد بن الفراث القاضي القيرواني عن عبد الرحمان بن القاسم، وقد كان أسد حين التقى بالإمام مالك حاول الدخول عليه بالأسئلة الافتراضية فأوصاه الإمام بالرحيل إلى العراق، وهناك التقى محمد بن الحسن الشيباني وبعض أصحاب أبي حنيفة وأخذ يتدارس معهم بعض المسائل ويضيفها في مصنفه، فاصّل فقه العراق، بعد ذلك بلغه نبأ وفاة الإمام مالك سنة 179 هـ، فتأثر لذلك شديد التأثر وقويت عزيمته للقاء أصحاب مالك للتدارس معهم وذلك بمصر سنة 188 هـ، فوجدهم مختلفين في مناهجهم الفقهية فسأل عبد الله بن وهب (191هـ) فأجابه بالرواية، فلما أراد أن يدخل عليه (الافتر اضات) قال له:"حسبك إذا أدينا لك الرواية"، ثم اتجه إلى أشهب (204هـ) وكان يجتهد ويخالف مالك، فقد قال له في مسألة من يقول هذا قال أشهب:"هذا قولي"، فاهتدى بعد ذلك إلى ابن القاسم، لكنه لم يسايره في البداية فيما يريد، غير أن الله شرح صدره فقال له:"زد يا مغربي"فقام أسد في المسجد يهتف،"يا معاشر الناس إن كان مات مالك فهذا مالك"لأنه حقق مراده في تأصيل فقه العراقيين، والتقريب بين مذهب مالك وأبي حنيفة، قال أسد:"فكنت أكتب الأسئلة بالليل في فنداق (صحيفة) من أسئلة العرقيين على قياس قول مالك، وأغدو عليه فأسأله عنها فربما اختلفنا فتناظرنا على قياس قول مالك فيها، فأرجع إلى قوله أو يرجع إلى قولي"، وما يؤكد كثرة المناظرات الدائرة بينهما ما رواه أسد أيضا قال:"قال لي ابن القاسم، كنت أختم في اليوم والليلة ختمتين فقد نزلت لك عن واحدة رغبة في إحياء العلم".
وكان ابن القاسم يجيب أسد بما حفظه عن مالك، وما شك فيه يجيب بأخال وأحسب وأظن، فاجتمع من تلك الأجوبة كتاب يسمى"الأسدية"، رجع به أسد إلى بلده إفريقية يدرسه وينشره بين الناس، ولكنه كان يميل في تدريسه إلى فقه أهل العراق ويقدمه في ذكر المسائل الفقهية، لهذا كان الطلبة ينبهونه إذا أغفل فقه مالك قائلين"أوقد القنديل الثاني".
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)