فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 74783 من 82138

بعد ذلك، تلطف سحنون في نسخها منه وحاول ذلك ابتداء هو ومحمد بن رشيد، فلما سمع بذلك أسد شح ولم يعطها لهم، ولكن سحنون تحيل حتى أتم نسخها، ويحكى في نور البصر لأحمد بن عبد العزيز الهلالي، أن سحنون بات عند أسد في ليلة هو وأصحابه، فلم يبزغ صباح ذلك اليوم حتى كان قد أتم نسخها، ثم قصد ابن القاسم سنة 191 هـ، وقد تفقه في علم مالك ومعه الأسدية، فلما كاشف بها ابن القاسم، أسقط هذا الأخير منها أشياء كثيرة، ومنها ما انتقده أهل القيروان من أخال وأحسب وأظن، ونحو ذلك، كما أن سحنون هذبها وبوبها بعد أن كانت مختلطة الأبواب، وألحق فيها من خلاف أصحاب مالك ما اختاره وذيل أبوابها بالآي والأحاديث والآثار إما من روايته أو من موطأ ابن وهب أو غيره، بينما بقية لم يتم سحنون عمله فبقيت على أصل اختلاطها في السماع، ثم إن ابن القاسم كتب لأسد بأن يعرض كتابه على ما عند سحنون ليراجع ما روي عنه ويعدل ما تغير، لكن أسد رفض ذلك، قال الحطاب (954هـ) :"فيقال أن ابن القاسم دعى أن لايبارك له فيها فهي مرفوضة إلى اليوم"،

وهكذا اشتهرت المدونة وخفى أثر المختلطة أو الأسدية ولم يبق لها ذكر إلا في روايات تدوين كتاب المدونة.

2 -منزلة المدونة في المذهب المالكي:

إذا كانت المدونة هي أصل المذهب المالكي وعمدة الفقهاء في القضاء والإفتاء المرجح روايتها على سائر الأمهات، فلا غرابة أن يتقبلها الناس بقبول حسن، بل وأنزلوها منزلة أم القرآن في الصلاة، بمعنى لا يغني عنها أي كتاب، وقد. روي في هذا المعنى"ما بعد كتاب الله أصح من موطأ مالك، ولا بعد الموطأ في الفقه أفيد من المدونة"، واعتقد أن السبب في هذه المنزلة التي حظي بهت هذا المؤلف المالكي هو الأشواط التي قطعها والظروف التي مر بها حتى صار على ما هو عليه، مرتب الأبواب مطعم بالآي والأحاديث والآثار يختزن في أحشائه أربعة آلاف حديث وستة وثلاثين ألفا من الآثار وأربعين ألف مسألة.

وهكذا تلقى السلف والخلف المدونة بحماس باهر وشغف بالغ، فتناقلتها أيدي أهل الاختصاص بالشرح والاختصار والإيضاح مشيرين إلى علو قدرها وإلى مزية سبقها، قال ابو محمد الحطاب (954هـ) وهو يتحدث عن منزلة المدونة في المذهب:"ثم إن الناس اختصروها فاختصرها ابن أبي زيد وابن أبي زمنين .. وغيرهم، ثم سعيد البرادعي ويسمى اختصاره بالتهذيب"، واستمر التأليف حول مُشكًلات المدونة وخفايا أسرارها وأعلام رجالها فألف أبو الوليد بن رشد الجد (520هـ) كتابه الشهير"المقدمات الممهدات لبيان ما اقتضته المدونة من الأحكام الشرعيات والتحصيلات المحكمات لأمهات مسائلها المشكلات"، كما ألف القاضي عياض (540هـ) كتابه المسمى"التنبيهات المستنبطة من الكتب المدونة والمختلطة"، ثم توالى التأليف حولها شرحا واختصارا وتهذيبا وتنكيتا إلى ما شاء الله.

وهذا وإن دلنا على شئ فإنما يدلنا على أن المدونة هي الأساس والمعول عليه في الفقه المالكي ـ بعد الموطأ طبعا ـ لذلك شاع ذكرها وبقي إسمها ورسمها خالدا حتى اليوم رغم ما تعرضت له من حرق وخرق وغرق من طرف جهال متعصبين للأصول، ولولا قيمتها العلمية لكان مآلها الترك والإهمال مثل سائرالكتب الرديئة، قال الحطاب:"المدونة أشرف ما ألف في الفقه من الدواوين، وهي أصل المذهب وعمدته"وذكر عياض في ترجمته لأسد أنه روى عن سحنون قوله:"عليكم بالمدونة فإنها كلام رجل صالح وروايته أفرغ الرجال فيها عقولهم وشرحوها وبينوها"، وكان يقول:"ما اعتكف رجل على المدونة ودراستها إلا عرف ذلك في ورعه وزهده"، وما عداه احد إلى غيرها إلا عرف ذلك فيه"."

وممن نظم فيها شعرا أبو عمران العبدوسي:

ما ألف الناس في كل الدواوين مثل المدون الغراء في الدين

سحنون الفها للطالبين لها يارب سحنون اجعلني كسحنون

وقال أحد الشيوخ:"ما من حكم نزل من السماء إلا وهو في المدونة"، ولا شك انه بالغ في هذا،

ومكانة ومنزلة المدونة تزداد سموا في النفوس إذا ما استحضرنا كونها تجمع تأملات عدة رجال، بمعنى أنها تستمد قيمتها من قيمة رجالها، أضف إلى ذلك أن أهميتها في إصدار الأحكام الفقهية نتج عنه أن أصبحت مقدمة على غيرها من الدواوين والأمهات فهي مقدمة على العتبية مثلا كما في مسالة فرقعة الأصابع في المسجد، فظاهر المدونة جواز ذلك مادام في غير الصلاة، أما في الصلاة فذلك مكروه، أما في العتبية فيحكى اتفاق مالك وابن القاسم على كراهية ذلك في المسجد مطلقا ولو كان ذلك في غير الصلاة.

والمستفاد أن الشراح قدموا ما في المدونة رغم أن اتفاق مالك وابن القاسم من المرجحات في المذهب، وهذا المثال يجعلنا ندرك تمام الإدراك عظيم منزلة المدونة في المذهب المالكي، وأنها تشكل حلقة أساسية وتاريخية مهمة في بناء هذا الصرح الفقهي العظيم، ولا شك أن مجرد افتراض ضياع هذه الحلقة كان سيترتب عنه رجة عنيفة في الفقه المالكي تفقده السلامة لا محال.

(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت