ـ [أم عبدالله الجزائرية] ــــــــ [29 - 09 - 10, 07:33 ص] ـ
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله تعالى، والصلاة والسلام على نبينا محمد:
أما بعد:
شيء من سيرة
الشريف حسن بن أبي نمي / تـ 1010 هـ
استقل بسلطنة الحجاز وقام بها أحسن قيام وضبط الأمور والأحكام على أحسن نظام وأمنت البلاد واطمأنت العباد وقطع دابر أهل الفساد فكانت القوافل والأحمال تسير بكثرة الأموال مع آحاد الرجال ولو في المخاوف والمهالك، وخافه كل مقدام فاتك، وكان عظيم القدر مفرط السخاء بصيرا بفصل الأمور شجاعا مقداما حاذقا صاحب فراسة عجيبة.
حكى أنه سرقت الفرضة السلطانية بجدة، وضاع منها قماش له صورة وأموال كثيرة ولم يكسر بابها ولا نقب جدارها ولا أثر يحال عليه معرفة المطلوب والطالب بل حبل مسدول من بعض الجوانب فلما عرض عليه طلب الحبل، ثم شمه، ثم قال:
"هذا حبل عطار"،ثم دفعه إلى ثقة من خدامه وأمره أن يدور على العطارين فعرفه بعضهم وقال هذا حبل كان عندي اشتراه مني فلان ثم نقل من رجل إلى رجل إلى أن وصل لشخص من جماعة أمير جدة ثم وجدت السرقة بعينها في المحل الذي ظنها فيه.
ومع ما كان فيه من هذه الصفات كان صاحب فضل باهر وأدب غض ومحاضرة فائقة واستحضار غريب.
على أنه لم يمت من بقيت مآثره ونشرت من بعد ما طوى مفاخره، قال عنه الشاعر:
وذب عن بيت الإله بالأسل ... منزها عن التواني والكسل
وأمن السبل جميعا وحمى ... كل المخاليف فأضحت حرما
فطالما قد شدت الرحال ... موقرة من فوقها الأموال
من مكة لبصرة ونحوها ... قاطعة لقفرها وبدوها
ولم يكن معها سوى حاديها ... من حاضري البلدة أو باديها
فتصل المقصد وهي سالمه ... ثم تعود مثل ذاك غانمه
وشاع هذا الأمن منه واشتهر ... معطرا باقي الممالك الأخر
فكل من حج البيت الحرام ... وشاهد الأمن استخار في المقام
أشار بذلك إلى أنه لم يزل حاميا حوزة البيت المعظم، وذابا عن سوحه المطهر المفخم حتى أنه من مزيد أمنه اختلط فيه العرب والعجم، ورعى الذئب مع الغنم وأمن السبل الحجازية ومهد الطريق الحرميه فكانت تشد الرحال في سائر جهاته وليس معها خفير سوى الأجير لا يفقد منها صواع ولا يختلس منها ولا قدر صاع وربما ترك المتاع أو المنقطع في القفر السبسب ليؤتى له بما يحمل عليه أو يركب فيوجد سالما من الآفات ولو طالت الأوقات مع كثرة الطارقين لتلك المعاهد والسالكين لهذه المواطن والمقاصد ولم يعهد هذا إلا في زمن هذا الملك العادل ولم ينقل مثله عن مثله من الملوك الأوائل فلقد كانت هذه الطرق في مبدأ ولايته مخوفه والمخاليف كلها غير مألوفه حتى من أراد أن يعزم من مكة إلى التنعيم للاعتمار لا بد له أن يأخذ خفيرا من أرباب الدول الكبار وإن لم يفعل ذلك يعطب في نفسه وماله ولا يرثي في أخذ الثار لحاله ولطالما نهبت الأموال ما بين مكة وعرفة ليلة الصعود إليها وسفكت الدماء في تلك المشاعر وجدلت الأجساد لديها وإذا سرق متاع قل أن يظفر به وربما قتل صاحبه عند طلبه بسببه وكل ذلك من العرب المحيطين بأطراف البلاد الساعين في الأرض بالفساد فمذ بسط الله بساط الأمان بولايته ألزمهم بحراسة هذه المواطن وغرم ما يذهب للناس في هذه الأماكن وعاملهم بصنوف العقاب وأنواع العذاب من الصلب وقطع الأيدي وتكليف أحدهم بالقتل إن لم يدى إلى غير ذلك من أصناف الاجتهادات السياسية والآراء السلطانية المرضيه حتى صلح حال العالم غاية الإصلاح ونادى منادي الأمن بالبشر والفلاح فاطمأنت النفوس بإقامة هذا الناموس واعتدلت أحوال الرعايا واتصل ذلك إلى علم الملوك البقايا فشكر كل سعيه في هذه المآثر الحميده وحمد الله تعالى في هذه المعدلة الظاهرة المجيده وكثر حجاج بيت الله العتيق وضربوا إليه آباط الإبل من كل فج عميق فيرون ما كانوا يسمعون به عيانا فيستخيرون الله في أن تكون بلده لهم مسكنا وأهلها إخوانا شعر
فمن هنا مكة صارت مصرا ... محشودة بالعالمين طرا
وقبل هذا العهد لم يقم بها ... إلا أناس شغفوا بحبها
نحو ذوي البيوت ممن قطنوا ... دهرا بها واستوطنوا وسكنوا
لذا انتهت إليهم الرياسه ... بطيبهم مناصب النفاسه
والغير يدعو بمنادى الملك ... يا من قصى مرامه من نسك
ارحل إلا بلادك الأصليه ... من يمن أو جهة شاميه
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)