فإن هذا البلد الحراما ... واد بلا زرع يرى ولاما
فيرحلون ما عدا من ذكرا ... من أهلها خلص من قد أمرا
فإنهم شوكته القويه ... وخادمو حضرته العليه
فلم يزالوا هكذا أبابأب ... مقترنين من أعالي ذا النسب
أشار إلى القواعد القديمة لولاة مكة الكريمة أن ينادى بعد تمام الحج يا أهل الشام شامكم ويا أهل اليمن يمنكم فيرحل كل إلى بلده ولا يقيم بمكة إلا خواص أهلها من ذوي البيوت القديمة فلما تولى مكة وشاع ذكره رغب كل أحد في المجاورة بها وصارت مصرا من الأمصار.
قد فاق الملوك بمزيد الفطنة وله في ذلك قضايا مشهورة منها أنه اختصم عنده رجلان مصري ويماني في جارية فادعى كل منهما أنها له وأقام بذلك بينة فأجال فكرته الوقادة وطلب قليلا من الحب وقال لها ما اسم هذا في بلادكم فقالت بر فحكم بها لليمني فظهر بعد ذلك أنها ملكه.
ومن ذلك أنه اختصم لديه رجلان شامي ومصري في جمل وادعى كل منهما أنه له وأقام بذلك حجة ثم قال لهما أني سأحكم بحكم فإن ظهر لي أن الحق بيد أحد كما غرمت الأخر ثمن الحمل فأمر بذبح الجمل فذبح وأمر باستخراج مخه فاستخرج فتأمله وقضى بالجمل للشامي وأمر المصري بتسليم القيمة فقيل له في ذلك فقال رأيت مخه منعقد فاستدليت بذلك فإن أهل الشام يعلفون دوابهم الكرسنة وهي تعقد المخ وأهل مصر يعلفون الفول وهو يعقد الشحم دون المخ فظهر بعد ذلك أن الحق كما قال.
ومن ذلك أن شخصا دفن مالا بالمزدلفة وكان شخص يرقبه فلما قصد النفر منها إلى منى وجد المال قد حفر عنه وأخذ ولم يظفر بأثر من آثار الغريم إلا بعصا ملقاة فأخذها ورفع شكواه إليه وذكر له القصة فسأله هل وجد من أثر فقال نعم وجدت عصا ملقاة فطلبها منه فأحضرها ثم تأملها فأمر بإحضار جماعة مخصوصين من العرب فحضروا فأشرفهم على العصا وسألهم هل يعرفون صاحبها فقالوا نعم هي عصا فلان فأحضره وسأله فأنكر فشدد عليه فأقر بالمال.
ومن ذلك أن شخصا من سادات اليمن وصل إلى مكة بجارية حسناء سنها نحو العشر سنوات فتعصب عليه طائفة من الجبرت وادعى بعضهم أنها حرة الأصل وأنها بنت فلان وشهد منهم شاهدان من طلبة العلم واستخلصوها من يد ذلك السيد قهرا فرقع القضية له فطلب الشاهدين وأخذ يستدرجهما بمدحهما وأنهما من مشاهير من جاور بمكة من مدة طويلة وأن شهادتهما مقبولة ثم سألهما عن الشهادة فأدياها كما سبق وأنها بنت فلان الجبرتي ولدت ببلده ونحن بها قبل وصولنا إلى مكة فقبل شهادتهما ثم سألهما عن مدة إقامتهما بمكة وهل خرجا بعد دخولهما فذكرا أن المدة تنوف على ثلاثين سنة وإنهما ما خرجا منها إلى بلدهما بعد أن دخلا فشاغلهما بالكلام ساعة ثم سألهما عن سن الجارية فقالا نحو عشر سنين فأخذ يسبهما ويتكلم عليهما حيث شهد بولادتها وهما ببلدها وقصد إتلافهما وأعاد الجارية إلى سيدها وكانت هذه الحكومة منه حكمة بالغة فإنه قصم بها طائفة الجبرت عن مثل ذلك فإنهم سلكوا هذا المسلك مدة واستخلصوا به أرقاء الناس من أيديهم.
وكانت وفاته ليلة الخميس لثلاث خلت من جمادى الآخرة سنة عشرة بعد الألف في مكان يقال له الرفاعية بعد أن توعك نحو يومين وحمل إلى مكة على محفة البغال وجهز في ليلته وصلى عليه في المسجد الحرام في محفل جمع من العلماء والأشراف والعامة.
والله تعالى أعلم.
ينظر:
خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر.