فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 74784 من 82138

ـ [ابونصرالمازري] ــــــــ [09 - 11 - 09, 01:49 ص] ـ

محنة المدونة:

لكي نكون منصفين؛ لا بد من أن نعرج على المحنة التي تعرض لها هذا الكتاب النفيس و لازال وهو أمر يوضح بجلاء المكانة التي يحتلها في تاريخ التراث الإسلامي عموما.

فالمطلع على تاريخ المدونة والأطوار التي مرت بها؛ يدرك تمام الإدراك ما تعرض له هذا الكتاب النفيس من عبث ومضايقة من قبل بعض المتعصبين. أو بعض المتيفقهين سواء في عصر تأليفها أو في عصور الازدهار الفقهي أو عصرنا الحالي، فبعض معاصري مؤلفي المدونة قد كان يقلل من شأنها كما هو الحال بالنسبة لسعيد بن حداد. بل إن عباس الفارسي1

تجاوز ذلك إلى درجة الإقدام على حرقها مع غيرها من كتب المدنيين.

وهذا الأمر لا يعد الوحيد في تاريخ المدونة بل إن بعض خلفاء الموحدين بدءا من الخليفة عبد المومن بن علي (558 هـ) حاول القضاء على الكتاب داعيا الفقهاء إلى نبذه والرجوع إلى الكتاب والسنة بدعوى كثرة الاختلافات الفقهية الواردة فيه، فعبد المومن بن علي أراد أن يجمع آراء داعيتهم في التوحيد والمهدوية والفقه لتكون في كتاب واحد عرف باسم"أعز مايطلب"، فعقد اجتماعا مع الفقهاء المالكية وحاول إقناعهم بنبذ كتاب المدونة والرجوع إلى الكتاب والسنة، لكن هذا الموقف جعل بعض الفقهاء يقفون مدافعين عن هذا الكتاب في وجه الخليفة من هؤلاء الفقيه"ابن زرقون (580هـ) الذي واجه الخليفة قائلا:"ياسيدي جميع ما في هذا الكتاب (المدونة) مبني على الكتاب والسنة وأقوال السلف والإجماع، وإنما اختصره الفقهاء تقريبا لمن ينظر فيه من المتعلمين والطالبين"."

ثم جاء الخليفة أبو يعقوب يوسف (580هـ) الذي حاول أن ينفذ قرار والده بصفة عملية في إحراق كتب الفروع ومنها المدونة. لكن هذا القرار لم ينفذ إلا في عهد يعقوب المنصور (594 هـ) الذي قام بالخطوة الحاسمة فاصدر أمره سنة 594 هـ على وجه التقريب بإحراق هذه الكتب في جميع البلاد المغربية يقول عبد الواحد المراكشي وكان شاهد عيان"وفي أيامه انقطع علم الفروع وخافه الفقهاء وأمر بإحراق كتب المذهب بعد أن يجرد ما فيها من أحاديث رسول الله صلى الله عليه و سلم والقرآن، ففعل ذلك فاحرق منها جملة في سائر البلاد كمدونة سحنون وكتاب ابن يونس ونوادر ابن أبي زيد وماجانس هذه الكتب ونحا نحوها، لقد شهدت منها وأنا يومئذ بمدينة فاس يؤتى منها بالأحمال وتوضع و يطلق فيها النار وتقدم إلى الناس في ترك الأشغال بعلم الرأي و الخوض في شيء منه. وتوعد يعقوب على ذلك بالعقوبة الشديدة".

ثم تولى الخلافة ولده محمد الناصر (610 هـ) فأمر بإحراق نسخ المدونة ردّا على الفقهاء الذين أنكروا عليه وعلى والده مواقفهم هذه.

ثم إن هناك مرحلة أخرى عانت فيها المدونة مضمونا، حيث هجرها العلماء و الفقهاء واستعاضوا عنها بالمختصرات بعد أن كانت الكتاب الأول و المعوّل عليه في حلقات تدريس علوم الفقه المالكي صارت لا تذكر إلا اسما حين الحديث عن أمهات كتب المذهب، وهذه المرحلة بدأت مع بداية مرحلة الجمود الذي تكرس بعد انتشار مختصر الشيخ خليل (770 هـ) حيث التجأ العلماء إلى مهمة أخرى وهي الشرح و التعليق وبناء الحاشية على هذا المختصر؛ فوجدنا بعد هذا كتابا كالمدونة يوضع على الرفوف؛ بعد أن كان يحفظ في الصدور عن ظهر قلب قبل أن يتصدر أي عالم للفتيا أو التدريس.

والدليل على أن هذه المختصرات شكلت انزلاقة فقهية خطيرة في واقع الأمة. تلك الصرخة التي أطلقها ابن خلدون؛ واصفا هذه الظاهرة بأنها مخلة بالبلاغة وعسيرة في الفهم؛ معتبرا ذلك من عيوب التربية وأنه يؤدي إلى الإخلال بتحصيل العلوم بسبب التخليط على المبتدئين حيث تلقى إليهم المسائل الصعبة في الوقت الذي لم يهيئوا فكريا لذلك.

لكن هذه الصرخة لم تجد آذانا صاغية بل يروى أن هذه المختصرات كان يبذل في سبيل الحصول عليها أضعاف ما كان يبذل في سبيل اقتناء الأمهات.

ولم يجد بعضهم حرجا في الإعلان بأن الصواب في الاختصار:

قصدت إلى الإجازة في كلامي لعلمي بالصواب في الاختصار.

فشأن فحولة العلماء شأني وشان البسط تعليم الصغار.

واستمر هذا التهميش الذي طال المدونة بالمغرب. إلى حين تدخل السلطان محمد بن عبد الله سنة (1203 هـ) بمرسوم نظم من خلاله التعليم بجامعة القرويين؛ وداعيا إلى اعتماد كتاب المدونة والبيان والتحصيل والمقدمات المهداة (كتب مكملة للمدونة) فقط في تدريس الفقه المالكي؛ فكان بذلك الرجوع، العودة إلى الأصول و إلى الينابيع الأولى التي أسست للمذهب المالكي.

وفي هذا العصر نجد من سخّر أقلامه لمهاجمة أصول المذهب؛ والمدونة بالتحديد؛ موجها إلى. مؤلفيها النقد اللاذع؛ ومستدلا بأوهام يسقط بعضها البعض، من هؤلاء؛ قطب الريسوني في مقال له بمجلة البيان بعنوان"الوصل بين الفقه و الحديث"؛ و الباحث نذير حمدان في"الموطآت"؛ حيث يقول عن أصول المذهب:"فلا يجد القارئ لكتبهم والناظر فيها إلا آراء مجردة وأقوالا متناقضة يشعر المالكية أنفسهم بتناقضها"، ثم يقول عن المدونة (إن المتتبع للبحوث والموضوعات المتنوعة في المدونة يفاجئ بقلة الرصيد القرآني استدلالا على أبواب المؤلف الكبير وفصوله وأحكامه؛ حتى إن الصق الموضوعات بالقرآن تحريما وتحليلا واستشهادا لا تجد فيها نصا قرآنيا بالدلالة أو بالإشارة أو بالمفهوم المخالف) .

وحسبنا هنا أن نوضح فقط المحنة التي تعرضت لها المدونة خلال تاريخها الطويل ولا زالت لنصل إلى قضية أساسية ومهمة وهي أن الدراسة والبحث أكدت حقيقة مهمة، أن الخلاف المبتوث في المدونة له أسباب تنسجم مع النسق العام الذي تقوم عليه قواعد المذهب المالكي أولا؛ وأن الاستدلال الشرعي داخل المدونة أيضا يقوم على أصول نقلية نصية وأخرى نظرية اجتهادية وهذا هو السر في أن ظل هذا الكتاب محتفظا بمكانته رغم ما تعرض له على مر تاريخه من مضايقات،أغلبها كانت تنبي عن قصور فهم؛ واستجداء لأسباب واهية.

أسأل الله في الأخير أن أكون قد أمطت اللثام عن بعض الجوانب المتعلقة بهذا الكتاب؛ والله الموفق وهو الهادي إلى سبيل الرشاد

(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت