فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 74786 من 82138

تولى سحنون القضاء سنة مائتين وأربع وثلاثين وكانت ولايته استجابة من الله لدعوة دعاها على سلفه القاضي ابن أبي الجواد وكان هذا القاضي معروفا بالجور والظلم والانحراف عن المنهج القويم والتسلط على الضعاف من خلق الله وقد تبرم بسلوكه الخاص والعام فقد مر سحنون ذات يوم بابن أبي الجواد فرأى منه ظلما فقال سحنون "اللهم لا تمتني حتى أراه بين يدي قاض عدل ... يحكم فيه بالحق" وما درى سحنون ان هذه الدعوة قد وافقت ساعة إجابة وان هذا القاضي العدل إنما هو سحنون.

ـ [ربى الجزائرية] ــــــــ [15 - 11 - 09, 07:17 م] ـ

ولم يكن سحنون راغبا في تولي هذه الخطة الخطيرة وما كان يرى نفسه أهلا لها ولكن الامير محمد ابن الأغلب بعد ان استشار الفقهاء وجدهم يكادون يجمعون على أهليته وأهلية سليمان بن عمران ولكن هذا الامير قال بكل تجرد: "ما ظننت انه يشاور في سحنون فرأيت أهل مصر يتمنون كونه بين اظهرهم وما يستحق احد القضاء وسحنون حي".

ولما اعلم سحنون بالقرار والاختيار عليه تمنع وتملص وقال انه لا يقوى على تولي القضاء فأغلظ عليه محمد بن الأغلب اشد الغلظة وحلف عليه بأشد الإيمان.

أذعن سحنون للأمر لما علم ان لا مفر منه واشترط على الامير شروطا أراد بها ان يعفي نفسه يقول سحنون:"لم أكن أرى قبول ذلك الأمر حتى كان من الامير معنيان احدهما إعطاء كل ذي حق حقه وأطلق يدي في كل ما رغبت حتى إني قلت: أبدأ بأهل بيتك وقرابتك وأعوانك فان قبلهم ظلامات للناس وأموالا لهم منذ زمان طويل إذ لم يجترئ عليهم من كان قبلي."

فقال لي: نعم لا تبدأ إلا بهم واجر الحق على مفرق رأسي.

فقلت له: الله!

قال لي: الله ثلاثا.

وجاءني من عزمه مع هذا ما يخاف المرء على نفسه وفكرت فلم أجد أحدا يستحق هذا الأمر ولم أجد نفسي سعة في رده"."

وبلغ به الغم والحزن لعظم الأمر عليه إن أحدا من الناس لم يتجرأ ان يهنيه واكتفى بان قال لابنته خديجة وهي امرأة فاضلة تقية لما دخل عليها بعد توليته (اليوم ذبح أبوك بغير سكين) والتزم سحنون بان يقوم بهذا الهمل لوجه الله ورفض ان يأخذ لنفسه رزقا أو عطية من السلطان.

التزم سحنون بإقامة العدل بين الناس وإيصال الحقوق إلى أصحابها فكان لا يتردد عن ضرب الخصوم إذا أذى بعضهم بعضا بكلام وكان يمكن من أصابه رعب من مجلس القضاء من فرصة الاستئناس بالإعراض عنه وهون عليه ثم قال له "ليس معي سوط ولا عصا ولا عليك باس إذا ما علمت ودع ما لا تعلم".

وكان سحنون يقاوم كل المنكرات فيؤدب على الأيمان التي لا تجوز كالطلاق وحتى لا يحلف الناس بغير الله ويراقب مظاهر الناس في ملابسهم وينهاهم عما يخالف حسن الحال وجمع سحنون إلى القضاء الحسبة فلاحق المنكرات في الشوارع والأسواق وأماكن اجتماع الناس فنظر في الغش في السلع والبضائع ونصب أمناء للأسواق وتولى تأديب من يستحق ذلك.

وكانت لسحنون مواقف حازمة مع أصحاب البدع والأهواء من الطوائف والفرق الخارجة على مذهب أهل السنة. ففرق أهل البدع وأخرجهم من الجامع وشرد الفرق الضالة وكانوا قبل ولاية سحنون للقضاء ينشرون بين الناس ضلالاتهم وزيفهم ويفسدون على العامة دينهم ويحرفون لهم عقيدتهم الصافية النقية وكان ذلك يقع منهم في المساجد بدون تخف ولا تستر. وكان هذا الموقف من سحنون شجاعا ذلك ان أمراء الدولة الأغلبية في ذلك الوقت كانوا متجاوبين مع بعض هذه الدعوات مقربين لرؤسائها ودعاتها ولم يكن مع سحنون في هذا المنهج الذي ارتضاه لنفسه إلا التجاوب الشعبي والتعلق المخلص والصادق بمذهب أهل السنة والجماعة.

منع سحنون دعاة الفرق والطوائف والمذاهب والنحل من تولي المهام الدينية والعلمية كأن يكونوا أئمة أو مؤذنين أو مؤدبين حتى لا تتعدى شرورهم إلى غيرهم من عموم الناس وكان يؤدب من خالف أوامره ويطوف بهم الشوارع تأديبا لهم وترهيبا لسواهم ممن قد تحدثهم أنفسهم بإتباع منهاجهم وكثيرا ما دفع مثل هذا التعزير من بقيت في نفسه بقية من إيمان إلى التوبة النصوح.

وكان سحنون يضرب بدرته من استحق التأديب ويقيم الحدود على من استوجبت إقامتها عليه.

(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت