فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 74206 من 82138

يجتمعون في بيت الشيخ بعد العشاء ولمدة ساعة ونصف ونحوها، وكلفني أن أقرأ عليهم، أقرأ في صحيح البخاري، ويتولى الشيخ عبد الرزاق شرح الحديث الذي نقرؤه، وكذلك أيضًا يتولى الشيخ عبد العزيز بن باز التعليق عليه، ولا يزالون كذلك يبحثون في المسائل المتجددة التي تحتاج إلى مراجعة وما أشبهها من المسائل التي تقع، فيستفيد الحاضرون"."

فوأسفاه على فقدنا لعلم تلك المجالس مع هذه الكوكبة المباركة.

وكذلك كان الشيخ ابن جبرين يحضر مجالس الشيخ ابن باز، وقد استفاد منه كثيرا.

قال الشيخ:"من سنة خمسٍ وسبعين إلى سنة ثمانين كنا نأتي إليه في بيته، ونحضر الدروس، وبالأخص عندما ابتدأ في تصحيح فتح الباري نحضر معهم أحيانًا الذين يصححون، كانوا قد أحضروا أربع نسخ مطبوعة، طبعات متفرقة، ونسخة خطية، فكانوا يقرؤون عليه، يقرأ عليه أحدهم والبقية يصححون."

هذا يقول: عندي فارق كلمة، عندي نقص كلمة، ويثبت ما رأى أنه أصح الكلمات وينبه أيضًا على بعض الغلطات كما هو في المجلدين الأوليين من فتح الباري ..."."

وقد وثق به الشيخ ابن باز فأوكل إليه إمامة الناس في الجامع الكبير، وكان يحيل إليه مسائل الفرائض التي لم يحلها أحد غيره، وكان قد برع في هذا العلم وتلقاه في أربعة سنين عن شيخه عبد العزيز بن ناصر بن رشيد.

ومع ما كان يعانيه الشيخ من ضيق ذات اليد إلا أن ذلك لم يمنعه من مواصلة طلب العلم، فقد أخبرني عن الوضع المادي لوالده، وأنه لم يكن له من الدخل إلا ما يرزقه الله به من الشيء اليسير من بعض الأعمال التجارية التي كان يقوم بها.

ولما انتقل الشيخ إلى الرياض عام (1373) ترك زوجته في البلد، ولم يستطع استقدامها للرياض إلا بعد أربع سنوات في سنة (1377) ، وذلك لصعوبة حاله وظروفه .. وبقي ساكنا في بيت من حجر وطين قرابة سبعة عشر سنة.

وكان الشيخ متواضعًا، حريصًا على الحقوق العامة للمسلمين، من عيادة المريض، واتباع الجنازة، ولما سمع أن جدي (لأمي) توفي حضر الصلاة عليه دون أن أخبره بذلك، وحقق رغبتي في إمامة صلاة الجنازة لما طلبت منه ذلك.

وكان يصبر على طلابه ويترفق بهم، وقد مر عليه وقت لا يحضر بعض دروسه إلا طالب واحد في المواريث، وقد حضر الشيخ مرة ولم يجد إلا هذا الطالب، فقال له: أنا وأنت وبراد الشاي ثالثنا.

وقد سألت الشيخ عن صوته، هل كان بسبب حادثة معينة أو ظرف صحي أو أنه هكذا من القديم؟

فقال الشيخ:"هكذا كان، ما أذكر أنه تغير، وكذلك الذين يعرفوني قديمًا ما ذكروا أنه حصل شيئ يغيره، وهم يعرفون صوتي من صغري أنه هكذا دون أن يحصل فيه شيء من التغير".

وذكر لي مرة في مجلس خاص أنه كان جميل الصوت، فأصيب بالعين، فأصبح يعاني في كلامه، ومرض مرضًا طويلًا عانى فيه من بلع الطعام حتى شفاه الله منه في مرحلة متأخرة من حياته.

ومما لا بد أن يتنبه له: أن فتاوى الشيخ لا تدل على علمه الغزير، ومن أراد الوقوف على علم الشيخ حقيقة، فعليه بشروحه على الكتب ومطبوعاته ودروسه المسجلة، ففيها يظهر عمقه العلمي وفقهه الواسع.

وقد بارك الله للشيخ في وقته فكان يقوم بالأعمال المتنوعة الكثيرة في يوم واحد بل في مجلس واحد.

فتراه في غرفة الإفتاء يرفع سماعة الهاتف والأخرى موضوعة على الطاولة، والسائلون جلوس حوله، وبيده أوراق يكتب عليها إجابات، وبجانبه طالب يقرأ عليه .. فيوزع وقته بينها في تنظيم عجيب.

والشيخ سهل الاقتحام ليس عند حجاب ولا بواب، وفي مجلس بيته: يعقد زواجًا، ويقسم ميراثًا، ويكتب شفاعةً، ويجيب هاتفًا، ويستقبل زائرًا، ويشرح لطالب مسألة.

ولقد كانت جنازته أكبر دليل على مكانته في قلوب الناس ... فقد امتلأ الجامع الكبير كاملًا بساحاته، وأغلقت بواباته قبل الظهر بساعة، ثم امتلأت الساحات الخارجية وامتدت الصفوف إلى مواقف الأسواق المجاورة .. وأوقف المشيعون سياراتهم على جوانب الطرق الرئيسة ومشت الجموع كيلو مترات على رجليها، بالرغم من حر الظهيرة، وفيهم من المواطنين والمقيمين، ومن دول خليجية ومن العرب والأعاجم وأكثرهم من الشباب.

كان حب الشيخ يطغى على حر الظهيرة، وكان دور طلبة العلم بارزًا في تنظيم الناس لإفساح الطريق للجنازة وتنبيه المصلين بعدم التقدم على الإمام خارج المسجد في صلاة الظهر.

وأعاد بعضهم صلاة الظهر بعد أداء صلاة الجنازة، وقام بعض المحسنين بتوزيع المياه على المشيعين الذين امتلأت بها جوانب المقبرة.

ومن رأى وقائع جنازته وتابع صفحات المواقع الالكترونية ولاحظ أعداد المترحمين والمودعين للشيخ أدرك كم ترك الشيخ من الذكر الحسن في الناس ... وكما قال بعض السلف لأهل البدع: بيننا وبينكم يوم الجنائز.

رحم الله الشيخ رحمة واسعة، وأسكنه فسيح جناته، ورفع درجته في المهديين، وأخلف الأمة خيرًا، وإنا لله وإنا إليه راجعون.

يتبع .. قريبًا (لقاء خاص للشيخ محمد صالح المنجد مع فضيلة الشيخ العلامة عبد الله بن عبد الرحمن بن جبرين)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت