خامسًا: من أخطر شبهاته أنه قال ببشرية القرآن وشك في مصادر العربية الأولى، ومدح بني العباس لأنهم أنزلوا العرب منزلة الكلب (على حد قوله) ، ونسب إحراق مكتبة الإسكندرية إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
وقد طبع اللبنانيون روايات جرجي زيدان مزدانة بالصور الملونة والألوان الصارخة بقصد استهواء الشباب وحملهم على قراءة هذه الكتب التي لا تعطيهم إلا صورًا مشوهة لتاريخ أمتهم وأخبارًا ملفقة بغية التشكيك في ذلك التاريخ.
سادسًا: أعطى نفسه الحرية المطلقة في تفسير أحداث التاريخ في معظم رواياته استنادًا إلى موقف الأديب من التاريخ، وكانت تفسيراته متعسفة متكلفة في محاولة لإثارة مشاعر السخط في نفوس المسلمين.
سابعًا: تفسيره لتصرفات هارون الرشيد مع أخته العباسة وجعفر البرمكي بما لا يتفق مع ما عرف عن الرشيد من أنه كان يحج عامًا ويغزو عامًا، وبما لا يتفق مع أيسر قواعد التفكير والمنطق السليم، وفي رواية أرمانوسة المصرية حاول أن يقول: إن الحب بين أرمانوسة وأركاديوس قائد حصن الروم هو السبب في هزيمة الروم وانتصار المسلمين، واتهم المسلمين بأنهم دخلوا البيوت ينهبون ويسلبون عندما فتحوا بلبيس، وهو مناقض تمامًا لما أورده المؤرخون المنصفون.
ثامنًا: في رواية"فتاة غسان"؛ أورد شبهة بأن النبي محمدًا صلى الله عليه وسلم أخذ تعاليمه عن الرهبان، وتأثر بتوجيهات الراهب بحيرا، واتسمت كتابته بالسخرية والاستخفاف بوثائق العهد النبوي، ووصف حادثة شق صدر النبي صلى الله عليه وسلم بالغرابة، وادعى أن هناك خصومة بين خالد بن الوليد وأبي عبيدة بن الجراح، وأخذ مصادره في هذا من كتب المستشرقين.
تاسعًا: في رواية"عذراء قريش"؛ أقام منطقه على تجريح الصحابة واتهام بعضهم بالحقد وتدبير المؤامرات، واتهم السيدة عائشة بالميل إلى سفك الدماء والنزوع إلى الشر، ووصف الخليفة عثمان بأنه رجل إمعة وذليل ومستسلم لابن عمه، وافترى على علي بن أبي طالب وفسر الفتنة تفسيرًا مغرضًا، واتهم عليًا بالتهاون في المطالبة بدم عثمان.
العاشر: وفي رواية"العباسة"؛ اتهم الرشيد بالاستهتار والمجون والاستبداد والظلم، وقدم تفسيرًا خاطئًا ومغرضًا لقتل بني برمك، وشوه شخصية العباسة أخت الرشيد.
الحادي عشر: في روايات"شارل"و"عبدالرحمن"؛ زعم بأن القواد وأمراء الجند من المسلمين كانوا مشغولين بحب فتيات النصارى وقد فتنوا بجمالهن، وأن هذا الحب قد صرفهم عن أمر الفتح؛ فتركوا جنودهم في ساحة القتال وادعى أنهم كانوا يهتمون بالغنائم أكثر من اهتمامهم بما عداها، وجرى على تصوير حروب الإسلام على أنها حروب غنائم.
الثاني عشر: أجرى على لسان أبي مسلم الخراساني من الافتراء ما قال من أن العرب كانوا يحتقرون غير العرب ويسومونهم سوء العذاب، ثم يفتخرون عليهم بالنبوة، وطمس معالم التاريخ الإسلامي في هذه الرواية بالدس والافتراء، وقدم صورًا باهرة للكنيسة ورهبانها، وأشاد بالأديرة والرهبان حيث جعلها ملجأ الضعفاء وملاذ التائهين والخائفين.
وفي رواية"الأمين والمأمون"؛ كان واضح التحامل على العرب، واصفًا إياهم بالاستبداد وسوء التصرف مع الأجناس الأخرى التي تربطهم بهم رابطة الإسلام قبل كل شيء.
الثالث عشر: في رواية"فتاة القيروان"؛ حاول التشكيك في أنساب الكثيرين من حكام المسلمين، …، واعتمد في قصصه الغرامية على الخيال؛ إذ لا يوجد ذكر لكل هذه المواقف في جميع كتب التاريخ، وخاصة حاكم سلجماسة الأمير حمدون، بل أن صاحب سلجماسة في كتب التاريخ يختلف تمامًا عما جاء في رواية زيدان مما يؤكد ميل زيدان إلى التزوير والتحريف.
بل إن صاحب سلجماسة هو محمد بن داسول وليس الأمير حمدان، ولم يقل ابن الأثير أن له بنتًا شغلت القائد جوهر؛ فخطبها لابنه، وقد أعطى زيدان اليهود في روايته دورًا إيجابيًا وجعلهم أصحاب الفضل الأول في إزالة الدولة الإخشيدية وإقامة دولة الفاطميين ( [2] ) مقامها.
الرابع عشر: في رواية"صلاح الدين"تلفيق وتزوير وإفساد للمجتمع؛ فقد ذهب إلى أن الخليفة العاضد لما ضعف أمره استدعى صلاح الدين وأوصاه بأهله خيرًا، وأن صلاح الدين نقض هذا العهد بعد سويعات وحاصر قصر الخليفة وأخذ كل ما فيه ومن فيه، ولا ذكر في كتب التاريخ لتلك الوصية، ولا إشارة في كتب التاريخ إلى سيرة الملك هذه، وهذه الوصية التي ذكرها زيدان لم ترد في"الكامل"لابن الأثير ولا غيره؛ فهي ملفقة مزورة، كذلك؛ فقد زيف زيدان النصوص التي نقلها من ابن الأثير وحولها تحويلًا أراد به السخرية والاستخفاف بالمسلمين، وبنى عليها قصصًا غرامية باطلة.
ولم يعن المؤلف بالتصوير الحي لشخصية صلاح الدين ولم يسجل مواقفه الحاسمة، وصرف الشباب عن الحديث عن الدور المهم الذي قام به صلاح الدين بالحديث عن مكائد الحشاشين، وتهديدهم لصلاح الدين، واعتمد على روايات طائفة الحشاشين تلك الجماعة الضالة المنحرفة، وحاول أن ينسب إلى صلاح الدين قصصًا غرامية كاذبة.
الخامس عشر: وفي رواية"شجرة الدر"؛ حاول أن يصور نساء السلطان الصالح نجم الدين أيوب بصورة النساء اللاتي يتاجرن بأعراضهن في سبيل الحصول على ما يتطلعن إليه، وليس معه أي دليل من التاريخ، وهذه الدعاوى التي أوردها حول شجرة الدر تختلف عن الحقائق الواردة في الكتب التي أرخت لهذه الفترة.
السادس عشر: وخلاصة ما يصل إليه البحث حول روايات جرجي زيدان:
1 -تحويل مواقف الشخصيات التاريخية.
2 -إثارة الشكوك حول البطولات الإسلامية.
3 -تعمد إغفال الحوادث التاريخية المهمة.
4 -إضفاء هالات مثالية على الأديرة والرهبان.
5 -التلاعب بالمصادر والمراجع). انتهى كلام الأستاذ أنور الجندي -رحمه الله- من كتابه (إعادة النظر في كتابات العصريين في ضوء الإسلام، ص 174 - 178) .
( [1] ) الموجز في الأدب العربي وتاريخه، لحنا الفاخوري (4/ 226 - 232) . وانظر: أعلام العرب المبدعين! في القرن العشرين، للدكتور خليل أحمد خليل.
( [2] ) الصواب أن تسمى دولة العبيديين الرافضة الذين تستروا بمحبة آل البيت زورًا، وسموا دولتهم بالفاطمية.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)