فالجواب -والله تعالى أعلم:أن هذا التغليظ كان أولًا ثم نسخ بفرض الزكاة كما ذكره البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما.
قال الشيخ رحمه الله تعالى عند قول الحق سبحانه {ولقد همت به وهم بها} .
فإن قيل: قد بينتم دلالة القرآن على برائته عليه السلام مما لا يننبغي في الآيات المتقدمة ولكن ماذا تقولون في قوله تعالى {وهمَّ بها} ؟؟
فالجواب من وجهين:
الأول: أن المراد بهمَّ يوسف بها خاطر قلبي صرف عنه وازع التقوى , وقال بعضهم: هو الميل الطبيعي والشهوة الغريزية المزمومة بالتقوى , وهذا لا معصية فيه لأنه أمرٌ حبليٌّ لا يتعلق به التكليف كما في الحديث عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان يقسم بين نسائه فيعدل ثم يقول (اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تلمني فيما لا أملك) يعني: ميل القلب الطبيعي.
ومثال هذا ميل الصائم بطبعه إلى الماء البارد , مع أن تقواه تمنعه من الشرب وهو صائم , وقد قال صلى الله عليه وسلم (ومن هم بسيئةٍ فلم يعملها كتبت له حسنة كاملة) لأنه ترك ما تميل إليه نفسه بالطبع خوفا من الله وامتثالًا لأمره كما قال تعالى {وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى * فإن الجنة هي المأوى} .
وهمُّ بني حارثة وبني سلمة بالفرار يوم أحدٍ كهمِّ يوسف هذا , بدليل قوله {إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا والله وليهما} لأن قوله {والله وليهما} يدل على أن ذلك الهمَّ ليس معصيةً لأن إتباع المعصية بولاية الله لذلك العاصي إغراء على المعصية.
والعرب تطلق الهم وتريد به المحبة والشهوة فيقول الإنسان فيما لا يحبه ولا يشتهيه: هذا ما يهُمني , ويقول فيما يحبه ويشتهيه: هذا أهم الأشياء إليَّ , بخلاف هم امرأة العزيز فإنه هم عزم وتصميم بدليل أنها شقت قميصه من دبر وهو هارب عنها, ولم يمنعها من الوقوع فيما لا ينبغي إلا عجزها عنه , مثل هذا التصميم على المعصية معصية يؤاخذ بها صاحبها بد ليل الحديث الثابت في الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم من حديث أبي بكرة رضي الله عنه (إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار, قالوا: يا رسول الله قد عرفنا القاتل فما بال المقتول؟ قال: إنه كان حريصا على قتل صاحبه) فصرح صلى الله عليه وسلم بأن تصميم عزمه على قتل صاحبه معصية أدخله الله بسببها النار.
وأما تأويلهم هم يوسف بأنه قارب الهم ولم يهم بالفعل كقول العرب: قتلته لو لم أخف الله أي قاربت أن أقتله , كما قاله الزمخشري.
وتأويل الهم بأنه هم بضربها أو هم بدفعها عن نفسه فكل ذلك غير ظاهر, بل بعيد من الظاهر ولا دليل عليه.
الجواب الثاني: وهو اختيار أبي حيان أن يوسف لم يقع منه هم أصلًا, بل هو منفي عنه لوجود البرهان , قال مقيده عفا الله عنه: هذا الوجه الذي اختاره أبو حيان وغيره هو أجرى الأقوال على قواعد اللغة العربية لأن الغالب في القرآن وفي كلام العرب أن الجواب المحذوف يُذكَر قبله ما يدل عليه كقوله {فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين} أي: إن كنتم مسلمين فتوكلوا عليه فالأول دليل الجواب المحذوف لا نفس الجواب ,لأن جواب الشروط وجواب لولا لا يتقدم ولكن يكون المذكور قبله دليلًا عليه كالآية المذكورة , وكقوله {قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين} أي: إن كنتم صادقين فهاتوا برهانكم , وعلى هذا القول فمعنى الآية: {وهم بها لولا أن رأى برهان ربه} أي: لولا أن رآه هم بها.
فما قبل لولا هو دليل الجواب المحذوف كما هو الغالب في القرآن واللغة , ونظير ذلك قوله تعالى {إن كادت لتبدي به لولا أن ربطنا على قلبها} فما قبل لولا دليل الجواب أي: لولا أن ربطنا على قلبها لكادت تبدي به.
واعلم أن جماعة من علماء العربية أجازوا تقديم جواب لولا وتقديم الجواب في سائر الشروط , وعلى هذا القول يكون جواب لولا في قوله (لولا أن رأى برهان ربه) هو ما قبله من قوله {وهم بها} وإلى جواز التقديم المذكور ذهب الكوفيون ومن أعلام البصريين أبو العباس المبرد وأبو زيد الأنصاري.
قال الشيخ رحمه الله عند قول الحق تعالى {ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين}
فإن قيل: (ربما) لا تدخل إلا على الماضي فما وجه دخولها على المضارع في هذا الموضع؟؟
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)