وهذه ضميمة أُخرى من أقوال غُلاة المرجئة أضافوها لبدعتهم وانتَحلوها. وأضاف بعضُهم شنيعة أُخرى فقال: إن مَن كان عنده أصل الإيمان، وهو النُّطْقُ بالشهادة والاعتقاد بقلبه، فلا تَضُرُّهُ المعصية يوم القيامة بل يدخل الجنة مع أول الداخلين. كما في حديث البطاقة -حسب زعمهم- فرجعوا بذلك إلى قول الجهمية في مسمى الإيمان.
وهذا المذهب المُلَفَّقُ من مقالات غُلاةِ المرجئة والجهمية، ومرجئة الفقهاء. نموذج خطير جدًا للإرجاء المعاصر. فمن قال بكل عناصره فقد جمع أسوأ أنواع الإرجاء، وقال بقول غلاتهم قديمًا، بل خرج إلى الجهمية الخالصة. وأما مَنْ قال بأن المعاصي تضر، وأن صاحبها معرض للعذاب فإن إرجاءه يكون كإرجاء الفقهاء مما نقل عن الحسن بن محمد ابن علي بن أبي طالب، ومقاتل بن سليمان. وأبي حنيفة وحماد بن سلمة ... وغيرهم ...
موضوع هذه الرسالة:
وموضوع هذه الرسالة ليس تفصيل كل هذه المذاهب ولكن لبيان قضيتين أساسيتين فقط:
الأولى: أن من ترك العمل بالجوارح اختيارًا فقد نقض أصل الإيمان.
الثانية: أن الكفر كما يكون بالقلب فإنه كذلك يكون بالعمل واللسان.
أولًا: تكفير الأئمة قائل هذه المقالة:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في كتاب الإيمان:"وقال حنبل: حدثنا الحميدي قال: وأُخبرتُ أن ناسًا يقولون: من أقر بالصلاة، والزكاة، والصوم، والحج، ولم يفعل من ذلك شيئًا حتى يموت، ويصلي مستدبرَ القبلة حتى يموت، فهو مؤمن مالم يكن جاحدًا إذا علم أن تركه ذلك فيه إيمانه إذا كان مقرًا بالفرائض واستقبال القبلة. فقلت: هذا الكفر الصراح، وخلاف كتاب الله وسنة رسوله وعلماء المسلمين، قال الله تعالى:?وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين?. وقال حنبل: سمعت أبا عبدالله أحمد بن حنبل يقول: من قال هذا فقد كفر بالله، ورد على الله أمره وعلى الرسول ما جاء به عن الله".
ثانيًا: ابن القيم -رحمه الله- يرد هذه البدعة في أبيات معدودات:
رد الإمام ابن القيم -رحمه الله- هذه البدعة المنكرة بأبيات من نونيته، فإنه أوجز هذه البدعة، وبين حقيقتها وشناعتها في تسع أبيات فقط من ألفيته العظيمة المعروفة بالنونية:
قال ابن القيم -رحمه الله-:-
وكذلك الإرجاءُ حينَ تُقِرُّ بالمعبودِ تصبحُ كاملَ الإيمانِ
فارمِ المصاحفَ في الحُشوشِ وخرِّبِ البيتَ العتيقَ وجِدَّ في العصيانِ
واقتل إذا ما استطَعْتَ كلَّ موحِّدٍ وتَمَسَّحَنْ بِالقِسِّ والصُّلبانِ
واشتُم جميعَ المرسلينَ ومن أَتَوا من عندهِ جَهْرًا بلا كتمانِ
وإذا رأيت حجارةً فاسجدْ لها بل خُرَّ للأصنامِ والأوثانِ
وأَقِرَّ أن اللهَ جلَّ جلالهُ هو وحدَهُ البادي لذي الأكوانِ
وأَقِرَّ أن رسولَهُ حقًا أتى من عندهِ بالوحي والقرآنِ
فتكونَ حقًا مؤمنًا وجميع ذا وِزرٌ عليكَ وليس بالكفرانِ
هذا هو الإرجاءُ عند غلاتِهِم من كل جهمِيٍّ أخي الشيطانِ
وخلاصة معنى أبيات ابن القيم رحمه الله:
أنه عرف الإرجاء بأنه الإقرار بالمعبود فقط!! وذلك أن من المرجئة من قال: إن الإيمان هو الإقرار بالقلب فقط، ومنهم من قال باللسان فقط، وهو قول غلاتهم، ومنهم من قال الإقرار بالقلب، والشهادة باللسان فقط، وبذا تكون مؤمنًا كامل الإيمان لأن الإيمان عندهم هو التصديق؛ فمادام أنه مصدق فهو مؤمن كامل الإيمان ..
ولازم قولهم بل نص أقوالهم أن من رمى المصاحف في أماكن النجاسات، أو هدم بيت الله الحرام (الكعبة) ، واجتهد في معصية الله ورسوله، وقتل المؤمنين الموحدين، وتمسَّحَ بالقساوسة متبركًا بهم، وبالصلبان معظمًا ومتبركًا بها، وشتم جميع المرسلين، ومن أرسلهم، وسجد للحجر والصنم، فإنه لا يكفر كفرًا ناقلًا عن الملة مادام أنه في قلبه مؤمن بالمعبود، وتكون الأعمال السابقة كلها كفر ظاهري فقط يحاسب عليها، ولا يخلد في النار بسببها!! وذكر ابن القيم في بيته الأخير أن هذه عقيدة الجهمية إخوان الشياطين.
الرد التفصيلي لهذه البدعة الشنيعة:
أولًا: لا دخول للجنة إلا بالإيمان والعمل الصالح:
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)