وأما المعاصي كقتل النفس التي حرم الله، والزنا، وشرب الخمر، وسائر الموبقات فمنهم مَن قال: لا تضر المؤمن (حسب تعريفهم السابق) شيئًا، فلو فعل كل منكر، وارتكب كل كبيرة مادام يشهد أن لا إله إلا الله فإنها لا تضره. بل يدخل الجنة مع أول الداخلين.
ومنهم من قال: بل تضره، وقد يعذب عليها، ولكنه يصير بعد ذلك إلى الجنة.
وأما المعاصي التي هي كُفر وشِرك فإنهم قالوا إذا فعلها المؤمن (حسب تفسيرهم) ظاهرًا فقط ولم يعتقدها فإنه يظل على الإيمان، وإن اعتقدها فقد كفر.
موقف الخوارج والمعتزلة من الإيمان:
والمذهب المقابل لمذهب الإرجاء السابق هو ما ذهب إليه الخوارج، فإنهم جعلوا عمل الدين كله شرطًا في صحة الإيمان، فمَن نقض شيئًا من العمل الواجب فإنه يكفر، ومن فعل كبيرة من المعاصي كالزنا والسرقة كفر ... والكفر عندهم كُفْرٌ مُخَلِّدٌ في النار خلودًا لا انقطاع له.
والفرق بين الخوارج والمعتزلة فَرْقٌ شكلي في التسمية فقط؛ فإن الخوارج قالوا: مَن ارتكب كبيرة فقد كفر، وهو مُخَلَّدٌ في النار إن مات عليها. وأما المعتزلة فقالوا: مَن ارتكب كبيرة فإنه لا يكون مؤمنًا ولا كافرًا بل في منزلة بين منزلة الكفر والإيمان (منزلة بين المنزلتين) ، وإن مات على ذلك فهو مُخَلَّدٌ في النار خُلودَ الكافرين.
موقف أهل السنة والجماعة من مُسمَّى الإيمان:
وأما أهل السنة والجماعة فإنهم عَرَّفُوا الإيمان بأنه: قول باللسان، وتصديق بالقلب، وعمل بالجوارح. ولا يكون العبد مؤمنًا إلا بهذه الثلاث. وقالوا: العمل جزء من الإيمان، وإذا انتفى العمل كله انتفى الإيمان كله.
وقالوا: العبد يزداد بالطاعة إيمانًا، وينقص إيمانه بالمعصية، فليس تصديق الملائكة والنبيين، كتصديق مَن دونهم من صالح المؤمنين والصِّدِّيقين، ومن دونهم من عوام المؤمنين ... وهناك الإيمان واليقين، وحقُّ اليقين، وعَيْنُ اليقين.
وقالوا: المعاصي التي هي دون الكفر لا يخرج بها المؤمن من الإيمان، ولو كانت كبيرة كالقتل، والزنا، وشرب الخمر ... وإن مات صاحبها عليها ولم يتب منها فأمره فيها إلى الله: إن شاء عفا عنه، وإن شاء عذبه في النار، ولكنه لا يخلد فيها خُلودَ الكافرين.
وأما المعاصي التي حكم الله على فاعلها بالكفر فمنها ما هو كفر أكبر ينقل عن الملة، ومنها ما هو كفر أصغر لا ينقل عن الملة، ولا يخلد صاحبها في النار خلود الكفار.
وقالوا: إن من العمل الصالح الذي فرضه ما يلزم من وجوده وجود الإيمان، ومن انتفائه انتفاء الإيمان، وهو الصلاة، (ولم يكن صحابة رسول الله يرون شيئًا من الأعمال تَرْكُهُ كُفر إلا الصلاة) .
وقالوا إن الكفر كما يكون بالقلب فهو كذلك يكون بكلام اللسان، فمَنْ سبَّ اللهَ، أو رسولَه، أو دين الإسلام فهو كافر، وإن اعتقد خلاف ذلك، ومن ردَّ كلامَ الله، أو كلام رسوله بلسانه فهو كافر. وكذلك يكون الكفر بالعمل فمَن أهان القرآن فداسَهُ بِقَدَمِه، أو سجدَ لغير الله دون إِكراه فهو كافر ... الخ
موقف أصحاب المذهب المُلَفَّقِ المعاصر للإرجاء:
وقد نشأ اليوم مذهب مُلَفَّقٌ هو في حقيقته مذهب أهل الإرجاء والجهمية قديمًا، ولكن أصحابه يحاولون إلباسه لباس مُعْتَقَدِ أهلِ السنة والجماعة.
وخلاصة هذا المذهب ما يلي:
قولهم أن الإيمان قول وعمل، فيتوهم المستمع والقاري لكلامهم أنهم يعنون عمل الجوارح، ولكنهم يقولون: العمل المطلوب للإيمان هو عمل القلب من التصديق والإذعان، وأما أعمال الجوارح فهي لا تدخل في أصل الإيمان، ولكنها من الإيمان الواجب، أو المستحب، ولا يكون المؤمن كافرًا إذا ترك أعمال الجوارح كلها: فلم يُصلِّ، ولم يَصُمْ، ولم يُزَكِّ، ولم يحج، ولم يعمل عملًا قط من الأعمال الظاهرة، بل ولو لم يغتسل من جنابة قط، ولم يوجه وجهته نحو القبلة قط!! وهذه مقالة غُلاةِ المرجئة قديمًا، وأضاف بعضهم إلى هذا المذهب القديم القول: إن الكفر لا يكون إلا بالقلب، فإذا كان من الأعمال الظاهرة، فلا يُكّفَّرُ بها صاحبها إلا أن يعتقدها بقلبه. فلو سَبَّ الله، أو سبَّ رسولَه، أو دين الإسلام، أو سجد لغير الله، أو أهان كتاب الله، أو فعل المُكَفِّراتِ فإنه لا يكفر بشيء من ذلك إذا عمله ظاهرًا فقط، ولم يعتقده في قلبه!!
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)