وانضموا إليهم في الحرب الثانية فجوزوا بتنفيذه، وخلق"إسرائيل". وقيل بعد ما أنشئت: إنها خلقت لتبقى. إذن ما سر هذا التحول الظاهرى؟ والجواب أن حقد"أوروبا"على الإسلام وأتباعه لم ينقص إن لم يكن زاد بقدر ما يلقى الاستعمار في الدنيا من كفاح ومقاومة. وكل ما حدث أن أوروبا اصطنعت أساليب جديدة لمحو الإسلام من داره، استئصاله - كما تزعم - من جذوره. وهى لم تفتح المجال الدولى أمام العرب وسائر المسلمين إلا بعدما اطمأنت أن هؤلاء وأولئك قد استدرجوا للانسلاخ عن دينهم والتخلى عن حضارتهم، والبراءة من ماضيهم. وأنها قد طبخت الأمور في الداخل والخارج، وهيأت من وسائل اللطف والعنف واللذة والألم ما يجعل المسلمين صائرين - حتما - إلى ما رسمه الغرب لهم. والواقع أن النظرة السطحية كانت توحى بأن الإسلام قد أدبرت دولته وسقطت رايته، وأن التعلق به - خصوصا في أوساط السادة والقادة - أمسى شيئا غير مستساغ. وما زلت أذكر أن"مصر"لما سارعت إلى الاعتراف بأندونيسيا عقب تحررها من الاحتلال الهولندى قالت إحدى الصحف الغربية: إن ذلك لوحدة الدين. فانبرى رجال خارجيتنا يردون - بحماس وغضب - قائلين: إن عامل الدين لم يخطر لهم ببال في هذا الاعتراف. ياللسفالة!! وماذا ينكر علينا إذا تمسكنا بهذا الدين؟ واهتممنا أشد الاهتمام بأحوال إخواننا فيه؟ لكنه الاستعمار الثقافى - بعد الاستعمار العسكرى - فعل فعله في نفوس الكثيرين وجعل أوروبا تحسب أنها قد بذرت في دار الإسلام فتنا لا تنتهى إلا بانتهاء هذا الإسلام المضطهد. بيد أن الذخائر الروحية في أمتنا لا تنفد. وها هى ذى تقوم من سقطتها، وتقاوم خصومها، وتتشبث بالحياة العزيزة وتتهيأ لأداء رسالتها الكبرى مرة أخرى.
ص _098