فهرس الكتاب

الصفحة 78 من 253

بيد أن الجماهير لا تزال تجهل حقيقة فضل الإسلام على العالم منذ ظهر إلى يوم الناس هذا. إنه لولا الإسلام - لبقيت أوروبا كما عاشت خمسة عشر قرنا لا تحسن شيئا البتة من دين الله ولا من دنيا الناس. نعم .. لولاه - لظلت الأحوال الخلقية والاجتماعية والعلمية والعملية كما غبرت طول هذه القرون جامدة بليدة، ولبقيت"أوروبا"هذا الدهر الطويل - كما بقيت أواسط إفريقيا منذ القدم إلى أن اكتشفت - تحيا على نسق واحد ويشملها - على اختلاف الليل والنهار - مستوى إنسانى محدود. لولا أن الإسلام دخل"أوروبا"كما دخلت الحضارة الحديثة بلاد الزنوج ما عرف الأوروبيون شيئا عن المدنية، ولا نالوا قسطا من ارتقاء. والفارق بين الحالين أن الإسلام لم يضن على الأوروبيين بنور يمشون عليه. أما الغربيون فهم يسخرون اليوم تفوقهم في إذلال الآخرين واستغلالهم. كان كل شئ فى"أوروبا"راكدا كالمستنقع الآسن، وكان يمكن أن يبقى كذلك إلى يوم النشور لولا العرب الذين سكنوا الأندلس وجنوب إيطاليا، وشرعوا يصدرون الرقى والازدهار إلى قبائل الغالة والقوط والوندال والسكسون والجرمان وإلى غيرهم من شعوب أوروبا. إن الأصول العقلية والنفسية للحضارة الحديثة لم تنبت من داخل أوروبا. وكل مطلع على طبيعة الحياة الأوروبية في الخمسة عشر قرنا الأولى للميلاد يجزم بأن أوروبا وحدها - بما تألف من أفكار ومشاعر لا تستطيع أن تكون شيئا يذكر. وأنه لولا ما وفد عليها من فكر خارجى وهِمَّة لا عهد لها بها ما استطاعت أن تتغير وترتقى. لقد كانت الحضارة العربية - لأوروبا - كمواد الخصب ولجج الماء العذب بالنسبة للصحراء كى تزدهر وتنتج. وإلا فستبقى الصحراء لا تنفح إلا السموم، وستبقى أوروبا كما عاشت ألفا وخمسمائة سنة بعد الميلاد لا تطفح إلا بالعمى والجهالة .. ولا تقدم لها النصرانية بصيصا من نور وهداية. ص _079

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت