يقول الحافظ: فظاهر هذا السياق يوهم أن أبا إسحاق رواه عن أبي عبد الرحمن وعبد الله بن حلام جميعا عن عبد الله بن مسعود (رضي الله عنه) وليس كذلك، وإنما رواه أبو إسحاق عن أبي عبد الرحمن عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا، وعن أبي إسحاق عن عبد الله بن حلام عن ابن مسعود (رضي الله تعالى عنه) متصلا، بينه عبيد الله بن موسى وقبيصة ومعاوية بن هشام عن الثوري متصلا (3) .
(1) - في سننه - كتاب الطهارة باب ما روي في لمس القبل والدبر -100/ 148.
(2) - من النكت 2/ 833، وقد أورد ابن أبي حاتم حديث إسرائيل هذا مختصرا في العلل 1/ 394 ليبين خطأ إسرائيل في رفعه: إذا رأى أحدكم …
(3) - النكت 2/ 833.
فحديث إسرائيل معلول بإدراج المرسل في الموصول، أو بإدراج الموقوف في المرفوع، إذ إن جملة (إذا رأى أحدكم امرأة …) لم يرفعها سفيان، بل وقفها على ابن مسعود، على ما رجحه أبو حاتم في العلل (1) .
يعني بذلك أن أبا إسحاق رواها موقوفة، وجاء إسرائيل ليدرجها من غير شعور بذلك في المرفوع بحيث يتوهم أنها مرفوعة أيضا عند أبي إسحاق. ويمكن أن نسمي هذا النوع من الإدراج تلفيقا بين الروايات سندا ومتنا. وقد عرف بهذا النوع من التلفيق المفسرون وأصحاب السير والتاريخ، كما عرف به كثير من الضعفاء، وبعض من الثقات.
ثانيها: أن يكون المتن عند الراوي له بالإسناد إلا طرفا منه فإنه عنده بإسناد آخر، فيرويه بعضهم عنه تاما بالإسناد الأول.
مثاله: حديث رواه سعيد بن أبي مريم عن مالك عن الزهري عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"لا تباغضوا ولا تحاسدوا ولا تدابروا ولا تنافسوا …"الحديث (2) .
فقوله:"لا تنافسوا"أدرجه سعيد بن أبي مريم من حديث آخر رواه مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة، فحديث مالك مختلف الإسناد، فرواه سعيد بن أبي مريم عنه مدرجا بعضه في بعض بدون أن يبين ذلك.
هذا المثال يذكر في كتب المصطلح للإدراج في السند، وليس الأمر كذلك وإنما هو مثال للإدراج في المتن.
ثالثها: أن يكون المتن عند الراوي إلا طرفا منه فإنه لم يسمعه من شيخه، وإنما سمعه من واسطة بينه وبين شيخه فيدرجه بعض الرواة في حديث ذلك الشيخ، فكأنه سمعه كله منه.
مثاله: حديث إسماعيل بن جعفر عن حميد عن أنس رضي الله عنه في قصة العرنيين، وأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لهم:"لو خرجتم إلى إبلنا فشربتم من ألبانها وأبوالها" (3) .
(2) - انظر فتح الباري 1/ 484.
(3) - أخرجه النسائي في كتاب تحريم الدم، باب ذكر اختلاف الناقلين لخبر حميد عن أنس بن مالك 7/ 96.
ولفظة:"وأبوالها"إنما سمعها حميد من قتادة عن أنس رضي الله تعالى عنه، بينه يزيد بن هارون ومحمد بن أبي عدي ومروان بن معاوية وآخرون، كلهم يقولون:"فشربتم من ألبانها"قال حميد:قال قتادة عن أنس:"وأبوالها"فرواية إسماعيل على هذا فيها إدراج وتدليس تسوية (1) .
رابعها: أن لا يذكر المحدث متن الحديث بل يسوق إسناده فقط ثم يقطعه قاطع فيذكر كلاما، فيظن بعض من سمعه أن ذلك الكلام هو متن ذلك الإسناد.
مثاله ما رواه ابن ماجه وغيره عن ثابت بن موسى عن شريك عن الأعمش عن أبي سفيان عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار (2) .
يقول الحافظ الخليلي: وقع لشيخ زاهد ثقة بالكوفة يقال له ثابت بن موسى، دخل على شريك بن عبد الله القاضي فكان يقرأ عليه حديث عن الأعمش عن أبي سفيان عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم، فلما بصر به ورأى عليه أثر الخشوع قال: من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار.
فظن ثابت أن ما تكلم به شريك من قبل نفسه هو حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الإسناد، فرواه عن شريك بعده وسمعه منه الكبار، وسرقه جماعة من الضعفاء فرووه عن شريك، وصار هذا حديثا كان يسأل عنه، والأصل فيه ما شرحناه (3) .
المصحَّف
(1) - من النكت 2/ 834 - 835، وسنن النسائي 7/ 95 - 98.
(2) - في سننه كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها باب ما جاء في قيام الليل 1/ 422.