''وأما أكثر الحفاظ المتقدمين فإنهم يقولون في الحديث إذا تفرد به واحد وإن لم يرو الثقات خلافه إنه لا يتابع عليه ويجعلون ذلك علة فيه، اللهم إلا أن يكون ممن كثر حفظه واشتهرت عدالته وحديثه، كالزهري ونحوه، وربما يستنكرون بعض تفردات الثقات الكبار أيضا، ولهم في كل حديث نقد خاص، وليس عندهم لذلك ضابط يضبطه'' (3) .
المنكر
المنكر لغة: نَكِرَ الأمرَ نكيرا وأنكره إنكارا ونُكرا جهله، (4) ويكون معنى المنكر المجهول وغير المعروف، والنَّكِرَة ضد المعرفة، وجاء إطلاقه على هذا المعنى في مواضع من القرآن الكريم.
كقوله تعالى:"وجاء إخوة يوسف فدخلوا عليه فعرفهم وهم له منكرون" (5) .
وقوله تعالى:"فلما جاء آل لوط المرسلون قال إنكم قوم منكرون" (6) .
وقوله تعالى:"… إذ دخلوا عليه فقالوا سلما قال سلم قوم منكرون" (7) .
(1) - مقدمة ابن الصلاح ص:104 (مع التقييد والإيضاح بتحقيق عبد الرحمن) .
(2) - وهو قوله الدقيق: ''ويستعان على إدراك العلة بالتفرد والمخالفة ... ''
(3) - شرح ابن رجب الحنبلي ص:208.
(4) - لسان العرب 5/ 233.
(5) - سورة يوسف: الآية58.
(6) - سورة الحجر:الآية 62.
(7) - سورة الذاريات: الآية 25.
وقوله تعالى:"يعرفون نعمت الله ثم ينكرونها" (1) .
أما في الاصطلاح فقد تنوعت الأقوال في تحديد مدلول المنكر، ومع ذلك فقد استقر معناه عند كثير من المتأخرين بأنه حديث رواه الضعيف مخالفا فيه الثقات، كما حرره الحافظ ابن حجر في مؤلفاته مثل نخبة الفكر، والنكت على ابن الصلاح، والذي يظهر من خلال تتبع مصادر العلل والتراجم واستقرائها أن هذا المعنى الذي استقر عليه رأي المتأخرين فيه تضييق لما وسعه نقاد الحديث؛ إذ معنى المنكر عندهم"كل حديث غير معروف عن مصدره"، سواء أ كان من رواية الثقة أم الضعيف، سواء تفرد به الراوي مع المخالفة أو بدون المخالفة، وللنقاد ألفاظ أخرى يعبرون بها عن معنى المنكر، وهي:"خطأ""وهم"،"غير محفوظ"،"غير صحيح"،"لا يشبه"،"غريب"،"لا يثبت"،"لا يصح"، وهذه الكلمات هي أكثر استعمالا بالنسبة إلى كلمة المنكر.
وإليك من نصوصهم ما يؤيد ذلك:
قال ابن عدي: ''وهذا الحديث ينفرد به إسماعيل بن عياش عن الزبيدي، وهو منكر من حديث الزبيدي، وكان ابن عياش حمل حديث الزبيدي على حديث ابن سمعان، فأخطأ، والزبيدي ثقة وابن سمعان ضعيف" (2) ،فأطلق ابن عدي على ما تفرد به ابن عياش عن الزبيدي منكرا، لأنه لا يعرف هذا الحديث في أحاديث الزبيدي فروايته عنه خطأ ووهم، ولعله تداخل عليه حديث ابن سمعان."
وقال أيضا حديث: ''حديث إسماعيل بن أبي أويس عن مالك عن أبي الزبير عن جابر مرفوعا: (فإذا وضع بين يدي أحدكم طعام…) حديث منكر عن مالك لا أعرفه إلا من حديث ابن أبي أويس عنه، وابن أبي أويس هذا روى عن خاله مالك أحاديث غرائب لا يتابعه أحد عليها '' (3) .
(1) - سورة النحل: الآية 83.
(2) - الكامل 1/ 292 إسماعيل بن عياش ثقة في روايته عن الشاميين والزبيدي محمد بن الوليد حمصي شامي ثقة معروف.
(3) - الكامل 1/ 318. إسماعيل بن أبي أويس فيه كلام.
وقال أيضا: '' وإسرائيل بن يونس كثير الحديث مستقيم الحديث في حديث أبي إسحاق وغيره، وهذه الأحاديث التي ذكرتها من أنكر أحاديث رواها، وكل ذلك محتمل '' (1) .
وقال أيضا: '' وهذه الأحاديث التي ذكرتها عن أيوب بن مسكين أبي العلاء هي أحاديث معروفة ولم أجد في سائر أحاديثه غير ما ذكرت أيضا شيئا منكرا، ولهذا قال ابن حنبل: لا بأس به لأن أحاديثه ليست بالمناكير '' (2) .
وقال أيضا:"وهذه الأحاديث مع غيرها مما يرويه إسحاق بن بشر هذا غير محفوظة كلها وأحاديثه منكرة إما إسنادا أو متنا لا يتابعه أحد عليها" (3) .
فهذه المجموعة من نصوص الحافظ ابن عدي تؤيد ما قلنا من أن نقاد الحديث يطلقون المنكر على معنى أن الحديث غير معروف عن مصدره، سواء تفرد به راويه - ثقة كان أم ضعيفا - أو خالفه غيره من الثقات، يعني أنه خطأ أو وهم أو غير محفوظ أو غريب لا يتابعه عليه أحد.