وهذا النوع من التفرد لا يختلف الإمام الشافعي مع غيره من الحفاظ في عدم الاحتجاج به، كما أن الحفاظ الذين نقل عنهم الخليلي معنى الشاذ لا يختلفون مع الإمام الشافعي في عدم الاحتجاج بالحديث الشاذ الذي فيه مخالفة لما هو أرجح، لأنه إذا كان الحديث الغريب الذي ليس له أصل غير مقبول عندهم فإن الذي خالف الواقع يكون من باب أولى أن لا يقبلوا ذلك الحديث لظهور خطأ فيه، وأما الخليلي فقد يقبله، إذ من رأيه أن يقبل زيادة الثقة مطلقا (1) .
حكم الشاذ عند الحاكم
أما الحاكم فقد أراد بالشاذ ما هو أدق وأغمض من الحديث المعلول، إذ إنه فرق بينهما بقوله:
''الشاذ غير المعلول، فإن المعلول ما يوقف على علته أنه دخل حديث في حديث أو وهم فيه راو أو أرسله واحد فوصله واهم، فأما الشاذ فإنه حديث يتفرد به ثقة من الثقات وليس للحديث أصل بمتابع لذلك الثقة ''.
يقول الحافظ ابن حجر معلقا عليه: ''وهو على هذا أدق من المعلل بكثير، فلا يتمكن من الحكم به إلا من مارس الفن غاية الممارسة وكان في الذروة العليا من الفهم الثاقب ورسوخ القدم في الصناعة ورزقه الله نهاية الملكة، وأسقط الزين العراقي من قول الحاكم قيدا لا بد منه، وهو أنه قال: وينقدح في نفس الناقد أنه غلط ولا يقدر على إقامة الدليل على ذلك'' (2) .
(1) - سبق البيان بأن الخليلي ممن يقبل زيادة الثقة مطلقا كوصل ثقة ضابط لما أرسله الجماعة، فإنه يقبله لكون الوصل زيادة ثقة.
(2) - نقله الصنعاني في توضيح الأفكار 1/ 379.
وهذا القيد - وإن لم يصرح به الحاكم - فإنه يفهم من سياق كلامه، والأمثلة التي ساقها للحديث الشاذ.
يقول السخاوي: والشاذ لم يوقف له على علة، وهذا يشعر باشتراك هذا مع ذاك (يعني المعلول) في كونه ينقدح في نفس الناقد أنه غلط، وقد تقصر عبارته عن إقامة الحجة على دعواه، وأنه من أغمض الأنواع وأدقها، ولا يقوم به إلا من رزقه الله الفهم الثاقب والحفظ الواسع والمعرفة التامة بمراتب الرواة والملكة القوية بالأسانيد والمتون، وهو كذلك، بل الشاذ أدق من المعلل بكثير اهـ (1) .
فمقصود الحاكم بقوله: ''الشاذ غير المعلول'' أنه غير واضح العلة، ولا يعني أنه نوع منفصل عن العلة.
كما أن الحاكم (رحمه الله) لم يرد بقوله في الشاذ تفردا مطلقا، وإنما أراد نوعا خاصا من تفردات الثقات مما يتوقف الناقد الجهبذ عن قبوله والاحتجاج به لوجود الوهم فيه، والدليل على ذلك ما شرحه في قسم الغريب والأفراد، وهذا نصه:
'' فنوع منه غرائب الصحيح - ثم ذكر المثال من حديث عبد الواحد بن أيمن عن أبيه عن جابر بن عبد الله يقول: كنا يوم الخندق نحفر … الحديث، رواه البخاري في الجامع الصحيح - فهذا حديث صحيح وقد تفرد به عبد الواحد بن أيمن عن أبيه وهو من غرائب الصحيح'' (2) .
وذكر حديثا آخر، وهو ما رواه عبد الله بن عمرو قال: (لما حاصر النبي صلى الله عليه وسلم أهل الطائف فلم ينل …) ثم قال الحاكم: رواه مسلم في المسند الصحيح، وهو غريب صحيح فإني لا أعلم أحدا حدث به عن عبد الله بن عمرو غير أبي العباس السائب بن فروخ، ولا عنه غير عمرو بن دينار، ولا عنه غير سفيان بن عيينة، فهو غريب صحيح اهـ (3) .
(1) - فتح المغيث 1/ 232 (تحقيق الشيخ علي حسن علي، ط: إدارة البحوث الإسلامية - الهند، سنة 1407 .
(2) - معرفة علوم الحديث ص:94.
(3) - معرفة علوم الحديث ص:95.
وإن كانت الشبهة التي أثارها الإمام ابن الصلاح وغيره حول التعريف لكونه غير مانع لدخول الأحاديث الصحيحة الغريبة فيه قد يجاب عنها بأنه لم يقصد بالشاذ التفرد المطلق كما سبق بيد أن قول الحاكم باعتباره تعريفا يبقى مشكلا فنيا لعدم استيفائه شروط التعريف، إذ لا ينفع القول في مناسبة التعريف إنه قصد المعنى المراد، وإن لم يفهم ذلك من ظاهر العبارة، وقد يقال إن الحاكم ليس من أهل المنطق، وبالتالي لا ينبغي النظر في نصوصه بزاوية المنطق. (1) .