''وفيه نظر كثير لأنه يرد عليهم الحديث الذي يتحد مخرجه فيرويه جماعة من الحفاظ الأثبات على وجه، ويرويه ثقة دونهم في الضبط والإتقان على وجه يشتمل على زيادة تخالف ما رووه إما في المتن وإما في الإسناد''.
''فكيف تقبل زيادته وقد خالفه من لا يغفل مثلهم عنها لحفظهم أو لكثرتهم، ولا سيما إن كان شيخهم ممن يجمع حديثه ويعتني بمروياته - كالزهري وأضرابه - بحيث يقال: إنه لو رواها لسمعها منه حفاظ أصحابه، ولو سمعوها لرووها ولما تطابقوا على تركها، والذي يغلب على الظن في هذا وأمثاله تغليط راوي الزيادة''،
''وقد نص الشافعي في الأم على نحو هذا، فقال - في زيادة مالك ومن تابعه في حديث فقد عتق منه ما عتق -: إنما يغلط الرجل بخلاف من هو أحفظ منه أو بأن يأتي بشيء يشركه فيه من لم يحفطه عنه وهم عدد وهو منفرد. فأشار إلى أن الزيادة متى تضمنت مخالفة الأحفظ أو الأكثر عددا أنها تكون مردودة. وهذه الزيادة التي زادها مالك لم يخالف فيها من هم أحفظ منه ولا أكثر عددا فتقبل، وقد ذكر الشافعي - رضي الله عنه - هذا في مواضع، وكثيرا ما يقول: العدد الكثير أولى بالحفظ من الواحد '' (1) .
ومنها: '' والذي يجري على قواعد المحدثين أنهم لا يحكمون عليه (أي ما زاده الثقة) بحكم مستقل من القبول والرد، بل يرجحون بالقرائن'' (2)
ومنها: ''وسئل الدارقطني عن الحديث إذا اختلف فيه الثقات، قال: ينظر ما اجتمع عليه ثقتان فيحكم بصحته، أو ما جاء بلفظة زائدة فتقبل تلك الزيادة من متقن، ويحكم لأكثرهم حفظا وثبتا على من دونه، وقد استعمل الدار قطني ذلك في العلل والسنن كثيرا، فقال في حديث رواه يحيى بن أبي كثير عن أبي عياش عن سعد بن أبي وقاص (رضي الله عنه) في النهي عن بيع الرطب بالتمر نسيئة'':
(1) - النكت 2/ 688.
(2) - المصدر السابق 2/ 687
''قد رواه مالك وإسماعيل بن أمية وأسامة بن زيد والضحاك بن عثمان عن أبي عياش، فلم يقولوا:"نسيئة"واجتماعهم على خلاف ما رواه يحيى يدل على ضبطهم ووهمه '' اهـ (1) .
ورأينا الإمام الدارقطني لم يقبل زيادة يحيى بن أبي كثير، مع كونه مشهورا بإمامته في الحديث بل حكم عليه بالوهم، وذلك لمخالفته الجماعة.
ويقول الحافظ ابن حجر أيضا: ''فحاصل كلامهم أن الزيادة إنما تقبل ممن يكون حافظا متقنا حيث يستوي مع من زاد عليهم في ذلك، فإن كانوا أكثر عددا منه أو كان فيهم من هو أحفظ منه أو كان غير حافظ ولو كان في الأصل صدوقا فإن زيادته لا تقبل، وهذا مغاير لقول من قال زيادة الثقة مقبولة و أطلق"اهـ (2) ."
ويقول البقاعي: إن ابن الصلاح خلط هنا طريقة المحدثين بطريقة الأصوليين، فإن للحذاق من المحدثين في هذه المسألة نظرا لم يحكه، وهو الذي لا ينبغي أن يعدل عنه، وذلك أنهم لا يحكمون منها بحكم مطرد، وإنما يديرون ذلك على القرائن اهـ (3) .
خلاصة القول
وبعد فإن الذي يتلخص مما سبق أن قبول زيادة الثقة وردها عند نقاد الحديث متوقف على القرائن، وهي كثيرة ومتنوعة، منها كون الراوي أحفظ الناس، ومنها كثرة عدد الرواة، ومنها سلوك الجادة، ومنها رواية الحديث بالمعنى، ومنها اعتماد الراوي على حفظه، ومنها تداخل الأحاديث، وغير ذلك، بل لكل حديث قرينة خاصة، فلا تكون الأحفظية سببا يعتمد دائما للترجيح، وكذا كثرة العدد، وكذا بقية القرائن، وبذلك يصبح الترجيح من أصعب المسائل التي لا يمكن القيام بها إلا لمن لديه ما يسمى فقه القرائن، ولذا قال الحاكم: الحجة عندنا الفهم والمعرفة والحفظ لا غير.
(1) - شرح النخبة ص:31 والنكت 2/ 689.
(2) - النكت 2/ 690.
(3) - نقله الصنعاني في توضيح الأفكار 1/ 339 - 340.
والذي ينقل عن بعض الأئمة القدامى في بعض المناسبات من قبول زيادة الثقة بحيث يوهم أن ذلك عندهم يكون مطلقا ينبغي تفسيره بأنه في حالة ما إذا كان الحديث مجردا عن القرائن الأخرى التي يحس بها الناقد الجهبذ، وليس ذلك على إطلاقه.
قال الإمام البخاري: ''في حديث أبي إسحاق في النكاح بلا ولي:"الزيادة من الثقة مقبولة، وإسرائيل ثقة'' (1) "