فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 5976 من 36903

و أما فصل من فصل بين أن تكون الزيادة في الخبر من رواية راويه بغير زيادة وبين أن تكون من رواية غيره فإنه لا وجه له لأنه قد يسمع الحديث متكررا تارة بزيادة وتارة بغير زيادة كما يسمعه على الوجهين من روايتين، وقد ينسى الزيادة تارة فيرويه بحذفها مع النسيان لها والشك فيها ويذكرها فيرويها مع الذكر و اليقين، وكما أنه لو روى الحديث ونسيه فقال:"لا أذكر أني رويته وقد حفظ عنه ثقة"وجب قبوله برواية الثقة عنه، فكذلك هذا وكما لو روى حديثا مثبتا لحكم وحديثا ناسخا له وجب قبولها فكذلك حكم خبره إذا رواه تارة زائدا وتارة ناقصا وهذه جملة كافية. انتهى قول الخطيب (رحمه الله تعالى) (1) .

هذا قول الخطيب البغدادي في مسألة زيادة الثقة، وإن كان يمكن أن اقتصره هنا لكني آثرت نقله بحروفه لأهميته، إذ هذا النص بالنسبة إلى كثير من المتأخرين ممن ألف كتابا في مصطلح الحديث، يعد مصدرا في معالجة مسألة زيادة الثقة.

وقد رأينا قول الخطيب قد تضمن عدة نقاط مهمة ينبغي نقاشها وتحريرها في ضوء الأدلة والأمثلة الواقعية، ولا ينبغي قبولها دون نظر وتحليل.

(1) - الكفاية ص: 464.

وبإمعان النظر في سياق كلام الخطيب وأسلوبه في الاستدلال والاستنتاج يبدو أنه ينظر في مسألة زيادة الثقة من زاوية جديدة لم تعرف إلا عن أهل الكلام، وهي بناء الحكم على التجويز العقلي، وكأنه يواجه من يدعو إلى امتناع قبول زيادة الثقة مطلقا، وبما أن الخطيب بصدد ترجيح قبول زيادة الثقة مطلقا، فإن مقتضى ذلك أن يسوق أدلة تثبت ذلك الترجيح، لكننا رأيناه يسعى جاهدا إلى تأييد رأيه من خلال استدلاله بأمور وقعت في بعض الروايات، وكيف يتم له الاستدلال بما ذكر؟ فإنه إذا ثبت سبب لوقوع الزيادة في بعض الروايات فإنه لا يعني بالضرورة أن كل الزيادات إنما تقع لذلك السبب، ومن المعلوم أن الزيادة قد تقع لأسباب أخرى لم يتطرق لها الخطيب، ومن أهمها وهم الراوي واختلاط المسموع عليه، أو روايته بالمعنى الذي فهمه ورسخ في ذهنه، وقد يكون فهمه خطأ وغير مطابق للواقع، وبالتالي لا يتم بما ذكره من الأدلة إلا الاستدلال على أن قبولها ممكن عموما وأنه غير ممتنع فحسب، والفرق واضح بين قبول الزيادة مطلقا، وبين كونه غير ممتنع عموما.

ولذلك أصبحت النتيجة التي خرج بها الخطيب البغدادي، وهي قبول زيادة الثقة مطلقا، بعيدة عن الدقة التي ألفناها في منهج المحدثين. وكل من يعرف شخصية الخطيب وإمامته في الحديث وعلومه يستغرب منه اعتماد ذلك الأسلوب الذي سلكه في الاستدلال، ودفاعه المستميت عن إطلاق قبول زيادة الثقة بناء على التجويز العقلي.

وبما أن أسباب الاختلاف بين الثقات بالزيادة والنقص لا يمكن حصرها في الحيثيات التي بينها الخطيب فإن إطلاق قبول الزيادة - كحكم عام - يكون غير سديد، إذ يحتمل أن يحدث الاختلاف بين الثقات حول الزيادة لوهم أحدهم، أو بروايته بالمعنى الذي رسخ في ذهنه، وما أكثر ذلك! ثم يأتي دور الناقد لينظر فيها من خلال القرائن المحيطة بها، وما أسباب وقوعها في الحديث، وهل لهذه الزيادة أصل، أو هي مدرجة في الحديث وهما.

ولو تتبعت تراجم الرواة الثقات، وآراء النقاد حول اختيار أثبت الناس وأضبطهم بالنسبة إلى المدارس الحديثية المعينة لوجدت فيها ما يؤكد لك أن أكثر الاختلافات التي تقع بينهم - وصلا و إرسالا، أو رفعا ووقفا، أو زيادة ونقصا - تعود إلى الأوهام والأخطاء، أو روايتهم بالمعنى، مما يمنعنا من قبول ما اعتمده الخطيب من الأدلة العقلية، والدليل إذا وقع فيه الاحتمال بطل الاستدلال به.

لقد كان من الرواة الثقات من يقف على خطئه في الحديث عندما يرى غيره من الثقات قد خالفه، وهذا حماد بن زيد - أحد الأئمة الأجلاء - يقول: ما أبالي من خالفني إذا وافقني شعبة، فإذا خالفني شعبة في شيء تركته (1) .

وعن عفان: ''كان حماد بن زيد ربما قال لي: كيف قال أبو سلمة، يعني حماد بن سلمة، في حديث أيوب، لأنه كان يخالفه''

قال أحمد: ''كان حماد بن زيد لا يعبأ إذا خالفه الثقفي ووهيب، وكان يهب أو يتهيب إسماعيل بن علية إذا خالفه'' (2)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت