ولد جوزيف (يوسف) شاخت، في راتيبور في الخامس عشر من مارس سنة 1902م، وتقع هذه البلدة في إقليم شيلزبان الألماني، أما الآن فهي تخضع للسيطرة البولندية (1) .
التحق في تلك البلدة بالثانوية الألمانية، وفيها بدأت تظهر اهتماماته الأولى باللغات الشرقية، حيث كان الحاخامات اليهود يلقون دروسًا في تلك المدارس في المحاضرات المخصصة للدراسات الدينية، وكانوا يعلمون اللغة العبرية لأولاد اليهود، ويؤكد برنارد لويس (2) أن"شاخت"لم يكن يهوديًا، ولكنه حضر تلك الدروس رغبة منه في زيادة معارفه.
ونفي يهودية"شاخت"أكدها أيضًا"روبير برونشفيج"حيث ذكر أن"شاخت"كان يكره النازية الألمانية مع أنه ما كان له أن يخشاها بحكم أصوله (3) .
والمشهور عند عدد من الباحثين العرب أنه كان يهوديًا، هذا ما جزم به الدكتور مصطفى السباعي، والدكتورأكرم ضياء العمري وآخرون غيرهما (4) ، ولكن يبدو أن الواقع كما ذكره"برنارد لويس"و"برونشفيج"فهما من المقربين لشاخت، وليس هناك حاجة ملحة تدعوهم لإنكار يهوديته، والذي يظهر لي أن أسباب الوهم لدى السباعي والعمري وغيرهما من القائلين بأن ديانة"شاخت"هي اليهودية ربما ترجع للأمور التالية:
(1) انظر مقال برنارد لويس بعنوان"جوزيف شاخت" (ص 622) ، ومقال روبير برونشفيج بعنوان"يوسف شاخت حياته وآثاره" (ص 630) .
(2) مقال لويس السابق (ص 622) .
(3) مقال برونشفيج السابق (ص 632) .
(4) انظر كتاب السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي للسباعي (ص 15) ، وموقف الاستشراق من السيرة والسنة النبوية للعمري (ص 37) .
1 -يكثر في اللغة العبرية استعمال حرف الخاء وهو في اسم"شاخت"، مما يوحي بأن أصل الاسم يعود للعبرية التي هي لغة اليهود، ومن المعروف أن اللغة الألمانية أيضًا تستعمل حرف"الخاء"في أبجديتها، مما ينفي وجاهة هذا الربط بين الاسم واللغة العبرية.
2 -كان"شاخت"من أشد المعجبين بالمستشرق المجري"جولد زيهر"وهو يهودي معروف يعد من أساطين الاستشراق، وقد سار"شاخت"على خطاه في بحوثه حول السنة النبوية، بل كان أكثر شراسة وقسوة منه على التراث الإسلامي، فلعل هذا ما أوحى لبعض الباحثين العرب بأن الرجل يهودي أيضًا لطبيعة آرائه الحاقدة على المسلمين ودينهم.
3 -ليس ثمة ترجمة ضافية لشاخت في المصادر العربية المتاحة، مما أسهم في التمكين لذلك الخطأ وساعد على انتشاره وشهرته.
وبهذا يعلم أنه ألماني المنشأ واللغة، ولم يكن يهوديًا كما أكد أحد تلامذته اليهود أعني"برنارد لويس" (1) ، وأحد أصدقائه المقربين منه"روبير برونشفيج" (2) ، وبالنظر إلى أن الديانة الأكثر انتشارًا في ألمانيا هي النصرانية، فالغالب أن يكون"شاخت"نشأ في أسرة تدين بهذه الديانة.
(1) برنارد لويس مستشرق له شهرة عالمية يحمل الجنسية الأمريكية، وهو يهودي صهيوني من أكثر المستشرقين المعاصرين حقدًا وكراهية للعرب والمسلمين، وحماسًا ودعمًا لما يسمى بدولة"إسرائيل"، ولا يزال على قيد الحياة، فقد قرأت بعض أفكاره وتصريحاته مؤخرًا في الصحف خلال حرب أمريكا على العراق. وللمزيد حول آرائه وترجمته انظر الدراسة الجيدة التي كتبها الدكتور مازن المطبقاني عنه في أطروحته للدكتوراه المنشورة بعنوان:"الاستشراق والاتجاهات الفكرية في التاريخ الإسلامي دراسة تطبيقية على كتابات برنارد لويس".
(2) مقال برونشفيج السابق (ص 630، 633) .
وقد أقام في ألمانيا حتى تجاوز الثلاثين من عمره، ثم هاجر إلى بريطانيا بسبب كراهيته للنظام النازي الذي كان يحكم ألمانيا قبيل الحرب العالمية الثانية، وفي ذلك يقول برونشفيج: (( ثم كانت الحرب العالمية الثانية، فالتحق"شاخت"بإنجلترا التي كان في أحلك الظروف يسمع منها عبر الإذاعة البريطانية، صوت الحرية مخاطبًا مواطنيه الألمان - إذ لم يكن قد تخلى بعد عن جنسيته الألمانية -، وكان شاخت يمقت النازية مع أنه ما كان له أن يخشاها بحكم أصوله، لكنه كان يعارض كل نبذ، وكل اضطهاد وتزوج امرأة إنجليزية مثقفة وما انفكت أن أصبحت الرفيقة المتفهمة له، والمتفانية التفاني الكامل في خدمته، وبعد الحرب حصل عام 1947م على الجنسية الإنجليزية التي لم يتخل عنها قط ) ) (1) .