فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 3396 من 30278

والتاريخ الحضاري لهذه الأمة المعطاء حفل بطلاب نجباء تلقوا الراية من أساتذتهم باليمين، ليواصلوا المسيرة. فهذا (السبكي) يكمل (مجموع النووي) بعد أن توفي قبل إكماله، وهذا (عطية محمد سالم) يكمل (البيان في تفسير القرآن الكريم بالقرآن) للشنقيطي، وآخرون أكملوا كتاب (الأعلام) للزركلي. والاستدراك أو التكميل منهج العلماء الأوائل، وبه تسد الحضارة خلالها. وتاريخ الأدب الموسوعي الذي أنجزه يفوق من سبقه ومن لحق به في أمور كثيرة، إذ لم يكن راصدًا كما هو عند أصحاب (المنهج التاريخي) ، ولم يكن بعيدًا عن هذا المنهج، لقد كان واعيًا لمكامن العصور الأدبية، متقصيًا لحراكها العلمي والفكري والفلسفي ولظواهرها وتحولاتها واهتمامات علمائها، فهو لا يؤرخ للأدب وحسب، ولكنه يؤرخ للثقافة والفكر والحضارة والمدنية وسائر العلوم الإنسانية. وهو في تاريخه لا يعمد إلى الرصد والوصف، ولكنه يحلل ويقوم، ويستخلص النتائج، ومن ثم فإنه يسد كل الخلال، ولا يسد غيره مسده.

وميزة (ضيف) أن كتبه لما تزل حاضرة المشهد الأدبي، يسترفدها كل دارس ومدرس. وما فتئت ألم بها، إما مدرسًا أبسط القول فيها، أو دارسًا أرجع إليها مسترفدا أو مستشهدًا، وما عدت إليه إلا وأحسست أنني أمام عالم مهيمن على فنه، وما أحلت إليه دارسًا إلا وجد عنده ما يشفى غلته، فمنهجيته تتسم بالتأصيل والتقصي. ومهما أوتي من علم فسيظل عرضة للنقص أو الخطأ، وكل ما أنجزه هو أو غيره بحاجة إلى من يعيد النظر فيه، لا للإدانة ولكن للتسديد. إذ مازال في نفسي شيء من بعض آرائه، وهي هنات متوقعة من أي عالم مثله، أدركت ذلك حين أسند لي قبل عقد ونيف من الزمن تدريس العصر العباسي لطلاب (كلية اللغة العربية) بفرع جامعة الإمام في القصيم.

ففي حديثه عن بعض الظواهر الفكرية التي كان لها أثرها على الأدب العربي عرض لآراء المستشرقين حول ظاهرة (التصوف) ، وهم إذ نفوا أن يكون التصوف إسلاميًا، فقد جالدهم وجاهدهم، وأصر على أنه إسلامي الأصل والمنشأ والولادة، وما هو كذلك فيما أرى، ولكنه الفعل ورد الفعل. ولقد حاولت يومها أن أكتب إليه ليعيد النظر في المسألة على ضوء المرجعيات العلمية، ولكن الأيام مرت سراعًا، وأذكر أنني تحفظت على ما ذهب إليه، وأحلت الطلبة إلى مراجع تنفي أن يكون التصوف إسلامي المنشأ. والتصوف الذي أعني تصوف الفكر والمعتقد والخرافة والدروشة، وليس تصوف الورع والزهد والقناعة.

ويوم أن علمت بوفاته، أعدت قراءة التعليقات التي كنت أمليتها على الطلبة، ليكتبوها على هوامش التاريخ. فلقد قال رحمه الله بالنص: (وإذن فالتصوف إسلامي في جوهره وفي نشأته ونموه وتطوره، وهو الرأي العلمي الصحيح) . وجاء تهميشي على رأيه: (لابد من التحفظ على هذا الرأي، ولابد أن تستعرض سائر الأقوال بالتفصيل ويرد عليه) . و (ضيف) بقوله المحتدم يرد على طائفة من المستشرقين، منهم (نيكلسون) في مبحثه عن (الحلاج) في كتابه (في التصوف الإسلامي) ، وعلى (جولد تسيهر) في كتابه (العقيدة والشريعة) . وهو قد نقم من (فون كريمر) الذي يذهب إلى أن التصوف يعود في أصوله إلى (المسيحية) و (البوذية) ويعول في هذه الإحالة على عقيدة (الحلاج) القائمة على (وحدة الوجود) . وكنت أقول للطلبة: (صدق المستشرقون وإن كذبوا) فالتصوف الفكري لم يكن إسلاميًا، والفلسفة الوضعية لم تكن إسلامية، وعلم الكلام نشأ بسبب الجدل بين علماء السلف والفلاسفة حول قضايا الغيب والخلق والذات الإلهية والنفس وبخاصة الذين تأثروا بالفلسفات الوافدة عبر الترجمة أو الدخول في الإسلام أفواجًا. فهذا (ابن تيمية) يرد على الفلاسفة والمناطقة والمتصوفة، ويستوعب مناهجهم ومذاهبهم، وما هو منهم، وليسوا منه. فوجود الظاهرة لا يعني انتماءها. وحين تشيع الأفكار والمناهج والمذاهب فإن ذلك لا يمس الحضارة المستقبلة لها، فكل الحضارات تتوارث وتتكامل، وما بعث الرسول إلا ليتمم مكارم الأخلاق، ومن ثم فليس هناك نص بريء ولا حضارة بريئة.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت