"لما"بمعنى و {لَم} إلا أن فيها ضربًا من التوقع، فدل على نفى الجهاد فيما مضى، وعلى توقعه فيما يستقبل.
وتقول: وعدنى أن يفعل كذا لوما يفعل، تريد: وأنا أتوقع فعله"."
وجملة {وَلَمَّا يَعْلَمِ الله الذين جَاهَدُوا مِنكُمْ} حالية من ضمير {تَدْخُلُوا} مؤكدة للإنكار، فإن رجاء الأجر من غير علم مستبعد عند ذوى العقول السليمة، ولذا قال بعضهم:
ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها ... إن السفينة لا تجرى على اليبس
وقال بعض الحكماء"طلب الجنة من غير عمل ذنب من الذنوب، وانتظار الشفاعة بلا سبب نوع من الغرور. وارتجاء الرحمة ممن لا يطاع حمق وجهالة".
وقوله {وَيَعْلَمَ الصابرين} أى ويتميز الصابرون في جهادهم عن غيرهم فالآية الكريمة تشير إلى أن الشدائد من شأنها أن تميز المجاهدين الصادقين في جهادهم، الثابتين في البأساء والضراء من غيرهم، وأن تميز الصابرين الذين يتحملون مشاق القتال وتبعاته بقلب راسخ، ونفس مطمئنة من الذين يجاهدون ولكنهم تطيش أحلامهم عند الشدائد والأهوال.
فالجهاد في سبيل الله يستلزم الصبر، لأن الصبر هو عدة المجاهد وأساس نجاحه، ولقد سئل بعضهم عن الشجاعة فقال: الشجاعة صبر ساعة.
وقال بعض الشعراء يعتذر عن انتصار أعدائهم عليهم.
سقيناهم كأسا سقونا بمثلها ... ولكنهم كانوا على الموت أصبرا
ولقد كان عدم صبر الرماة في غزوة أحد، ومسارعتهم إلى جمع الغنائم، من أهم الأسباب التى أدت إلى هزيمة المسلمين في تلك المعركة.
والآية الكريمة كذلك تشير إلى أن الطريق إلى الجنة ليس سهلا يسلكه كل إنسان وإنما هو طريق محفوف بالمكاره والشدائد. ولا يصل إلى غايته إلا الذين جاهدوا وصبروا وصابروا، ولذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم"حفت الجنة بالمكاره، وحفت النار بالشهوات".
ثم ذكرهم - سبحانه - بما كان منهم من تمنى الشهادة في سبيله فقال {وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الموت مِن قَبْلِ أَن تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ} .
قال ابن جرير ما ملخصه: كان قوم من أصحاب النبى صلى الله عليه وسلم ممن لم يشهدوا بدرًا، يتمنون قبل يوم أحد يوما مثل يوم بدر، فيعطون الله من أنفسهم خيرا، وينالون من الأجر مثل ما نال أهل بدر، فلما كان يوم أحد، فر بعضهم وصبر بعضهم، حتى أوفى بما كان عاهد الله عليه قبل ذلك، فعاتب الله من فر منهم بقوله: {وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الموت} . . . الآية.