فهرس الكتاب

الصفحة 73 من 556

فجعل {لَيَعْلَمَنَّ} في موضع فليبينن مجازًا. وقراءة الجماعة: {فَلَيَعْلَمَنَّ} بفتح الياء واللام. وقرأ علي ابن أبي طالب بضم الياء وكسر اللام وهي تبين معنى ما قاله النحاس. ويحتمل ثلاثة معان: الأول: أن يعلم في الآخرة هؤلاء الصادقين والكاذبين بمنازلهم من ثوابه وعقابه وبأعمالهم في الدنيا؛ بمعنى يوقفهم على ما كان منهم. الثاني: أن يكون المفعول الأوّل محذوفًا تقديره؛ فليعلمنّ الناس والعالم هؤلاء الصادقين والكاذبين، أي يفضحهم ويشهرهم؛ هؤلاء في الخير وهؤلاء في الشر، وذلك في الدنيا والآخرة. الثالث: أن يكون ذلك من العلامة؛ أي يضع لكل طائفة علامة يشتهر بها. فالآية على هذا تنظر إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم: «من أسر سريرة ألبسه الله رداءها» .

ويقول السيد رحمه الله[1]:

إن الإيمان ليس كلمة تقال إنما هو حقيقة ذات تكاليف ; وأمانة ذات أعباء ; وجهاد يحتاج إلى صبر , وجهد يحتاج إلى احتمال. فلا يكفي أن يقول الناس: آمنا. وهم لا يتركون لهذه الدعوى , حتى يتعرضوا للفتنة فيثبتوا عليها ويخرجوا منها صافية عناصرهم خالصة قلوبهم. كما تفتن النار الذهب لتفصل بينه وبين العناصر الرخيصة العالقة به - وهذا هو أصل الكلمة اللغوي وله دلالته وظله وإيحاؤه - وكذلك تصنع الفتنة بالقلوب.

هذه الفتنة على الإيمان أصل ثابت , وسنة جارية , في ميزان الله سبحانه:

(ولقد فتنا الذين من قبلهم , فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين) . .

والله يعلم حقيقة القلوب قبل الابتلاء ; ولكن الابتلاء يكشف في عالم الواقع ما هو مكشوف لعلم الله , مغيب عن علم البشر ; فيحاسب الناس إذن على ما يقع من عملهم لا على مجرد ما يعلمه سبحانه من أمرهم. وهو فضل من الله من جانب , وعدل من جانب , وتربية للناس من جانب , فلا يأخذوا أحدا إلا بما استعلن من أمره , وبما حققه فعله. فليسوا بأعلم من الله بحقيقة قلبه!.

ونعود إلى سنة الله في ابتلاء الذين يؤمنون وتعريضهم للفتنة حتى يعلم الذين صدقوا منهم ويعلم الكاذبين.

إن الإيمان أمانة الله في الأرض , لا يحملها إلا من هم لها أهل وفيهم على حملها قدرة , وفي قلوبهم تجرد لها وإخلاص. وإلا الذين يؤثرونها على الراحة والدعة , وعلى الأمن والسلامة , وعلى المتاع والإغراء. وإنها لأمانة الخلافة في الأرض , وقيادة الناس إلى طريق الله , وتحقيق كلمته في

(1) - في ظلال القرآن - (ج 1 / ص 366) وفي ظلال القرآن - (ج 5 / ص 450)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت