وفي المغني [1] :
(7412) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَالْجِهَادُ فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ , إذَا قَامَ بِهِ قَوْمٌ , سَقَطَ عَنْ الْبَاقِينَ) مَعْنَى فَرْضِ الْكِفَايَةِ , الَّذِي إنْ لَمْ يَقُمْ بِهِ مَنْ يَكْفِي , أَثِمَ النَّاسُ كُلُّهُمْ , وَإِنْ قَامَ بِهِ مَنْ يَكْفِي , سَقَطَ عَنْ سَائِرِ النَّاسِ. فَالْخِطَابُ فِي ابْتِدَائِهِ يَتَنَاوَلُ الْجَمِيعَ , كَفَرْضِ الْأَعْيَانِ , ثُمَّ يَخْتَلِفَانِ فِي أَنَّ فَرْضَ الْكِفَايَةِ يَسْقُطُ بِفِعْلِ بَعْضِ النَّاسِ لَهُ , وَفَرْضُ الْأَعْيَانِ لَا يَسْقُطُ عَنْ أَحَدٍ بِفِعْلِ غَيْرِهِ وَالْجِهَادُ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَاتِ , فِي قَوْلِ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ. وَحُكِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ , أَنَّهُ مِنْ فُرُوضِ الْأَعْيَانِ ; لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى {: انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} ثُمَّ قَالَ: {إلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} . وَقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: {كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِتَالُ} . وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَغْزُ , وَلَمْ يُحَدِّثْ نَفْسَهُ بِالْغَزْوِ , مَاتَ عَلَى شُعْبَةٍ مِنْ النِّفَاقِ". وَلَنَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى} . وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْقَاعِدِينَ غَيْرُ آثِمِينَ مَعَ جِهَادِ غَيْرِهِمْ , وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا} وَلِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَبْعَثُ السَّرَايَا , وَيُقِيمُ هُوَ وَسَائِرُ أَصْحَابِهِ. فَأَمَّا الْآيَةُ الَّتِي احْتَجُّوا بِهَا , فَقَدْ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: نَسَخَهَا قوله تعالى: {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً} . رَوَاهُ الْأَثْرَمُ وَأَبُو دَاوُد. وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ حِينَ اسْتَنْفَرَهُمْ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم إلَى غَزْوَةِ تَبُوكَ , وَكَانَتْ إجَابَتُهُمْ إلَى ذَلِكَ وَاجِبَةً عَلَيْهِمْ , وَلِذَلِكَ هَجَرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ وَأَصْحَابَهُ الَّذِينَ خُلِّفُوا , حَتَّى تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بَعْدَ ذَلِكَ , وَكَذَلِكَ يَجِبُ عَلَى مَنْ اسْتَنْفَرَهُ الْإِمَامُ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم:"إذَا اُسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَمَعْنَى الْكِفَايَةِ فِي الْجِهَادِ أَنْ يَنْهَضَ لِلْجِهَادِ قَوْمٌ يَكْفُونَ فِي قِتَالِهِمْ ; إمَّا أَنْ يَكُونُوا جُنْدًا لَهُمْ دَوَاوِينُ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ , أَوْ يَكُونُوا قَدْ أَعَدُّوا أَنْفُسَهُمْ لَهُ تَبَرُّعًا بِحَيْثُ إذَا قَصَدَهُمْ الْعَدُوُّ حَصَلَتْ الْمَنَعَةُ بِهِمْ , وَيَكُونُ فِي الثُّغُورِ مَنْ يَدْفَعُ الْعَدُوَّ عَنْهَا , وَيُبْعَثُ فِي كُلِّ سَنَةٍ جَيْشٌ يُغِيرُونَ عَلَى الْعَدُوِّ فِي بِلَادِهِمْ.
قتال الطوائق الممتنعة [2]
(1) - المغني - (ج 20 / ص 409)
(2) - مجموع الفتاوى - (ج 28 / ص 358) والسياسة الشرعية - (ج 1 / ص 121)