وقوله: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ} أي: ولنختبرنكم بالأوامر والنواهي، {حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ} . وليس في تقدم علم الله تعالى بما هو كائن أنه سيكون شك ولا ريب، فالمراد: حتى نعلم وقوعه؛ ولهذا يقول ابن عباس في مثل هذا: إلا لنعلم، أي: لنرى.
ويقول القرطبي رحمه الله [2] :
قوله تعالى: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ} أي نتعبّدكم بالشرائع وإن علمنا عواقب الأمور. وقيل: لنعاملنكم معاملة المختبرين. {حتى نَعْلَمَ المجاهدين مِنكُمْ والصابرين} عليه. قال ابن عباس: «حَتَّى نَعْلَمَ» حتى نميّز. وقال عليّ رضي الله عنه. «حَتَّى نَعْلَمَ» حتى نرى. وقد مضى في «البقرة» . وقراءة العامة بالنون في «نَبْلُوَنَّكُمْ» و «نعلم» و «نَبْلُوَ» . وقرأ أبو بكر عن عاصم بالياء فيهنّ. وروى رُوَيس عن يعقوب إسكان الواو من «نبلو» على القطع مما قبل. ونصب الباقون ردًّا على قوله: «حَتَّى نَعْلَمَ» . وهذا العلم هو العلم الذي يقع به الجزاء؛ لأنه إنما يجازيهم بأعمالهم لا بعلمه القديم عليهم. فتأويله: حتى نعلم المجاهدين علم شهادة؛ لأنهم إذا أمروا بالعمل يشهد منهم ما عملوا، فالجزاء بالثواب والعقاب يقع على علم الشهادة. {وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ} نختبرها ونظهرها. قال إبراهيم بن الأشعث: كان الفُضيل بن عِياض إذا قرأ هذه الآية بكى وقال: اللهم لا تبتلينا فإنك إذا بلوتنا فضحتنا وهتكت أستارنا.
ويقول السيد رحمه الله [3] :
إنَّ الله يعلم حقائق النفوس ومعادنها , ويطلع على خفاياها وخباياها , ويعلم ما يكون من أمرها علمه بما هو كائن فعلا. فما هذا الابتلاء ? ولمن يكون العلم من ورائه بما يتكشف عنه ?
إن الله - جلت حكمته - يأخذ البشر بما هو في طوقهم , وما هو من طبيعتهم واستعدادهم. وهم لا يعلمون عن الحقائق المستكنة ما يعلمه. فلا بد لهم من تكشف الحقائق ليدركوها ويعرفوها ويستيقنوها , ثم ينتفعوا بها.
والابتلاء بالسراء والضراء , وبالنعماء والبأساء , وبالسعة والضيق , وبالفرج والكرب. . كلها تكشف عما هو مخبوء من معادن النفوس , وما هو مجهول من أمرها حتى لأصحابها. .
أما المراد بعلم الله لما تتكشف عنه النفوس بعد الابتلاء فهو تعلق علمه بها في حالتها الظاهرة التي يراها الناس عليها.
(1) - تفسير ابن كثير - (ج 7 / ص 322)
(2) - الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - (ج 1 / ص 5204)
(3) - في ظلال القرآن - (ج 1 / ص 440) وفي ظلال القرآن - (ج 6 / ص 452)