ولكنه سبحانه يحاسب الناس على ما يتكشف من حقيقتهم بفعلهم وسلوكهم. وكذلك جرت سنته بالابتلاء لينكشف الخبيء وتتميز الصفوف , وتتمحص القلوب. ولا يكون ذلك كما يكون بالشدائد والتكاليف والمحن والابتلاءات.
و"أم"هنا للاستفهام الانكارى. وحسب - كما يقول الراغب - مصدره الحسبان وهو أن يحكم الشخص لأحد النقيضين من غير أن يخطر الآخر بباله، فيحسبه ويعقد عليه الأصابع، ويكون بعرض أن يعتريه فيه شك. ويقارب ذلك الظن، لكن الظن أن يخطر النقيضان بباله فيغلب أحدهما على الآخر.
والواو في قوله: {وَلَمَّا يَعْلَمِ الله} حالية، و {لَمَّا} للنفى مع توقع الحصول، ونفى العلم هنا مجاز عن نفى التبين والازهار والتمييز.
وقوله: {وَلِيجَةً} أى، بطانة ومداخلة. من الولوج في الشئ أى الدخول فيه.
يقال: ولج يلج ولوجا إذا دخل. وكل شئ أدخلته في شئ ولم يكن منه فهو وليجة.
والمراد بالوليجة هنا: البطانة من المشركين الذين يطلعون على أسرارهم المؤمنين ويداخلونهم في أمورهم.
قال ابن جرير: قوله: {وَلِيجَةً} هو الشئ يدخل في غيره. يقال منه: ولج فلان في كذا يجله فهو وليجة. وإنما عنى بها في هذا الموضع: البطانة من المشركين، نهى الله المؤمنين أن يتخذوا من عدوهم من المشركين أولياء يفشون إليهم أسرارهم.
والمعنى: أحسبتم - أيها المؤمنون - أن تتركوا دون أن تؤمنوا بقتال المشركين، والحال أن الله - تعالى - لم يظهر الذين جاهدوا منكم بإخلاص ولم يتخذوا بطانة من أعدائاكم. . ممن جاهدوا منكم بدون إخلاص؟
لا. أيها المؤمنون، إن كنتم حسبم ذلك فهو حسبان باطل، لأن سنة الله قد اقتضت أن يميز المخلص في جهاده من غيره، وأن يجعل من حكم مشروعية الجهاد والتمحيص.
قال ابن كثير: والحاصل أنه - تعالى - لما شرع الجهاد لعباده، بين أن له فيه حكمة وهو اختبار عبيده من يطيعه ممن عصيه، وهو - تعالى - العالم بما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف كان يكون، فيعم الشئ قبل كونه على ما هو عليه، لا إله إلا هو ولا رب سواه، ولا راد لما قدره وأمضاه.
(1) -الوسيط لسيد طنطاوي - (ج 1 / ص 1905)