وفي مصحف ابن مسعود «وزلزلوا ثم زلزلوا ويقول» . وأكثر المتأوّلين على أن الكلام إلى آخر الآية من قول الرسول والمؤمنين، أي بلغ الجهد بهم حتى استبطئوا النصر؛ فقال الله تعالى: {ألا إِنَّ نَصْرَ الله قَرِيبٌ} . ويكون ذلك من قول الرسول على طلب استعجال النصر لا على شك وارتياب. والرسول اسم جنس. وقالت طائفة: في الكلام تقديم وتأخير، والتقدير: حتى يقول الذين آمنوا متى نصر الله؛ فيقول الرسول: ألاَ إن نصر الله قريب؛ فقدّم الرسول في الرتبة لمكانته، ثم قدّم قول المؤمنين لأنه المتقدّم في الزمان. قال ابن عطية: وهذا تحكّم. وحمل الكلام على وجهه غير متعذر. ويحتمل أن يكون {ألا إِنَّ نَصْرَ الله قَرِيبٌ} إخبارًا من الله تعالى مُؤْتنفًا بعد تمام ذكر القول.
قوله تعالى: {متى نَصْرُ الله} رُفع بالابتداء على قول سيبويه، وعلى قول أبي العباس رُفع بفعل، أي متى يقع نصر الله. و «قريب» خبر «إنّ» . قال النحاس: ويجوز في غير القرآن «قريبًا» أي مكانًا قريبًا. و «قريب» لا تثنّيه العرب ولا تجمعه ولا تؤنّثه في هذا المعنى؛ قال الله عز وجل: {إِنَّ رَحْمَةَ الله قَرِيبٌ مِّنَ المحسنين} [الأعراف: 56] . وقال الشاعر:
له الويلُ إن أمْسَى ولا أُمُّ هاشم ... قريب ولا بَسْبَاسةُ بنْةُ يَشْكُرَا
فإن قلت: فلان قريب لي ثنيت وجمعت؛ فقلت: قريبون وأقرباء وقرباء.
هكذا خاطب الله الجماعة المسلمة الأولى , وهكذا وجهها إلى تجارب الجماعات المؤمنة قبلها , وإلى سنته - سبحانه - في تربية عباده المختارين , الذين يكل إليهم رايته , وينوط بهم أمانته في الأرض ومنهجه وشريعته. وهو خطاب مطرد لكل من يختار لهذا الدور العظيم. .
وإنها لتجربة عميقة جليلة مرهوبة. . إن هذا السؤال من الرسول والذين آمنوا معه. من الرسول الموصول بالله , والمؤمنين الذين آمنوا بالله. إن سؤالهم: (متى نصر الله ?) ليصور مدى المحنة التي تزلزل مثل هذه القلوب الموصولة. ولن تكون إلا محنة فوق الوصف , تلقي ظلالها على مثل هاتيك القلوب , فتبعث منها ذلك السؤال المكروب: (متى نصر الله ?) . .
وعندما تثبت القلوب على مثل هذه المحنة المزلزلة. . عندئذ تتم كلمة الله , ويجيء النصر من الله:
(ألا إن نصر الله قريب) . .
(1) - في ظلال القرآن - (ج 1 / ص 30) وفي ظلال القرآن - (ج 1 / ص 197)