وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:
وَقَدْ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الطَّائِفَةِ الْمُمْتَنِعَةِ , لَوْ تَرَكَتْ السُّنَّةَ الرَّاتِبَةَ كَرَكْعَتَيْ الْفَجْرِ , هَلْ يَجُوزُ قِتَالُهَا؟ عَلَى قَوْلَيْنِ: فَأَمَّا الْوَاجِبَاتُ وَالْمُحَرَّمَاتُ الظَّاهِرَةُ وَالْمُسْتَفِيضَةُ , فَيُقَاتَلُ عَلَيْهَا بِالِاتِّفَاقِ حَتَّى يَلْتَزِمُوا أَنْ يُقِيمُوا الصَّلَوَاتِ الْمَكْتُوبَاتِ , وَيُؤَدُّوا الزَّكَاةَ , وَيَصُومُوا شَهْرَ رَمَضَانَ , وَيَحُجُّوا الْبَيْتَ , وَيَلْتَزِمُوا تَرْكَ الْمُحَرَّمَاتِ مِنْ نِكَاحِ الْأَخَوَاتِ وَأَكْلِ الْخَبَائِثِ , وَالِاعْتِدَاءِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فِي النُّفُوسِ وَالْأَمْوَالِ , وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَقِتَالُ هَؤُلَاءِ وَاجِبٌ ابْتِدَاءً , بَعْدَ بُلُوغِ دَعْوَةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم إلَيْهِمْ , بِهَا يُقَاتَلُونَ عَلَيْهِ. فَأَمَّا إذَا بَدَءُوا الْمُسْلِمِينَ , فَيَتَأَكَّدُ قِتَالُهُمْ كَمَا ذَكَرْنَاهُ فِي قِتَالِ الْمُمْتَنِعِينَ مِنْ الْمُعْتَدِينَ قُطَّاعِ الطُّرُقِ. وَأَبْلَغُ الْجِهَادِ الْوَاجِبُ لِلْكُفَّارِ , وَالْمُمْتَنِعِينَ عَنْ بَعْضِ الشَّرَائِعِ , كَمَانِعِي الزَّكَاةِ وَالْخَوَارِجِ وَنَحْوِهِمْ , يَجِبُ ابْتِدَاءً وَدَفْعًا. فَإِذَا كَانَ ابْتِدَاءً , فَهُوَ فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ , إذَا قَامَ بِهِ الْبَعْضُ سَقَطَ الْفَرْضُ عَنْ الْبَاقِينَ , وَكَانَ الْفَضْلُ لِمَنْ قَامَ بِهِ , كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ} الْآيَةَ.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:
وَالْمَقْصُودُ أَنَّهُ قَدْ يَكُونُ مِنْ الْإِيمَانِ مَا يُؤْمَرُ بِهِ بَعْضُ النَّاسِ وَيُذَمُّ عَلَى تَرْكِهِ وَلَا يُذَمُّ عَلَيْهِ بَعْضُ النَّاسِ مِمَّنْ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ وَيُفَضِّلُ اللَّهُ ذَاكَ بِهَذَا الْإِيمَانِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْمَفْضُولُ تَرَكَ وَاجِبًا فَيُقَالُ: وَكَذَلِكَ فِي الْأَعْمَالِ الظَّاهِرَةِ يُؤْمَرُ الْقَادِرُ عَلَى الْفِعْلِ بِمَا لَا يُؤْمَرُ بِهِ الْعَاجِزُ عَنْهُ وَيُؤْمَرُ بَعْضُ النَّاسِ بِمَا يُؤْمَرُ بِهِ غَيْرُهُ؛ لَكِنَّ الْأَعْمَالَ الظَّاهِرَةَ قَدْ يُعْطَى الْإِنْسَانُ مِثْلَ أَجْرِ الْعَامِلِ إذَا كَانَ يُؤْمِنُ بِهَا وَيُرِيدُهَا جُهْدَهُ وَلَكِنَّ بَدَنَهُ عَاجِزٌ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: {إنَّ بِالْمَدِينَةِ لَرِجَالًا مَا سِرْتُمْ مَسِيرًا وَلَا قَطَعْتُمْ وَادِيًا إلَّا كَانُوا مَعَكُمْ قَالُوا: وَهُمْ بِالْمَدِينَةِ؟ قَالَ: وَهُمْ بِالْمَدِينَةِ حَبَسَهُمْ الْعُذْرُ} وَكَمَا قَالَ تَعَالَى: {لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً} فَاسْتَثْنَى أُولِي الضَّرَرِ. وَفِي"الصَّحِيحَيْنِ"عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: {مَنْ دَعَا إلَى هُدًى كَانَ لَهُ مِنْ الْأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ اتَّبَعَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا وَمَنْ دَعَا إلَى ضَلَالَةٍ كَانَ عَلَيْهِ مِنْ الْوِزْرِ مِثْلُ أَوْزَارِ مَنْ اتَّبَعَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْئًا} . وَفِي حَدِيثِ أَبِي كَبْشَةَ الأنماري: هُمَا فِي الْأَجْرِ سَوَاءٌ
(1) - مجموع فتاوى ابن تيمية - (ج 2 / ص 128)