فهرس الكتاب

الصفحة 39 من 556

النفس البشرية , وخبرة بمواطن الزلل ودواعي الانحراف , ووسائل العلاج. . ثم صبر على الرخاء كالصبر على الشدة. وصبر على الشدة بعد الرخاء. وطعمها يومئذ لاذع مرير!. .

وهذه التربية هي التي يأخذ الله بها الجماعة المسلمة حين يأذن بتسليمها مقاليد القيادة , ليعدها بهذه التربية للدور العظيم الهائل الشاق , الذي ينوطه بها في هذه الأرض. وقد شاء - سبحانه - أن يجعل هذا الدور من نصيب"الإنسان"الذي استخلفه في هذا الملك العريض!

وقدر الله في إعداد الجماعة المسلمة للقيادة يمضي في طريقه , بشتى الأسباب والوسائل , وشتى الملابسات والوقائع. . يمضي أحيانا عن طريق النصر الحاسم للجماعة المسلمة , فتستبشر , وترتفع ثقتها بنفسها - في ظل العون الإلهي - وتجرب لذة النصر , وتصبر على نشوته , وتجرب مقدرتها على مغالبة البطر والزهو والخيلاء , وعلى التزام التواضع والشكر لله. . ويمضي أحيانا عن طريق الهزيمة والكرب والشدة. فتلجأ إلى الله , وتعرف حقيقة قوتها الذاتية , وضعفها حين تنحرف أدنى انحراف عن منهج الله. وتجرب مرارة الهزيمة ; وتستعلي مع ذلك على الباطل , بما عندها من الحق المجرد ; وتعرف مواضع نقصها وضعفها , ومداخل شهواتها , ومزالق أقدامها ; فتحاول أن تصلح من هذا كله في الجولة القادمة. . وتخرج من النصر ومن الهزيمة بالزاد والرصيد. . ويمضي قدر الله وفق سنته لا يتخلف ولا يحيد. .

وقد كان هذا كله طرفا من رصيد معركة أحد ; الذي يحشده السياق القرآني للجماعة المسملة - على نحو ما نرى في هذه الآيات - وهو رصيد مدخر لكل جماعة مسلمة ولكل جيل من أجيال المسلمين.

وفي التفسير الوسيط[1]:

قال الفخر الرازى ما ملخصه: اعلم أن الله - تعالى - لما وعد على الطاعة والتوبة من المعصية، الغفران والجنات، أتبعه بذكر ما يحملهم على فعل الطاعة وعلى التوبة من المعصية. وهو تأمل أحوال القرون الخالية من المطيعين والعاصين فقال: {قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ} .

وأصل الخلو في اللغة: الانفراد. والمكان الخالى هو المنفرد عمن يسكن فيه. ويستعمل أيضا في الزمان بمعنى المضى: لأن ما مضى انفرد عن الوجود وخلا عنه، وكذا الأمم الخالية.

والسنن جمع سنة وهى الطريقة المستقيمة والمثال المتبع. وفى اشتقاق هذه اللفظة وجوه منها: أنها فعلة من سن الماء يسنه إذا والى صبه. والسن

(1) - الوسيط لسيد طنطاوي - (ج 1 / ص 746)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت