فهرس الكتاب

الصفحة 52 من 556

فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ قَالَ: بِذَنْبِهِمْ , وَيُرْوَى عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: اسْتَمْتَعُوا بِنَصِيبِهِمْ مِنْ الْآخِرَةِ فِي الدُّنْيَا , وَقَالَ آخَرُونَ: بِنَصِيبِهِمْ مِنْ الدُّنْيَا. وَحَقِيقَةُ الْأَمْرِ أَنَّ الْخَلَاقَ هُوَ النَّصِيبُ وَالْحَظُّ , كَأَنَّهُ الَّذِي خُلِقَ لِلْإِنْسَانِ وَقُدِّرَ لَهُ , كَمَا يُقَالُ قَسْمُهُ الَّذِي قُسِمَ لَهُ , وَنَصِيبُهُ الَّذِي نُصِبَ لَهُ أَيْ أُثْبِتَ , وَقِطُّهُ الَّذِي قُطَّ لَهُ أَيْ قُطِعَ وَمِنْهُ قوله تعالى: {وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ} وَقَوْلُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: {إنَّمَا يَلْبَسُ الْحَرِيرُ فِي الدُّنْيَا مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ فِي الْآخِرَةِ} وَالْآيَةُ تَتَنَاوَلُ مَا ذَكَرَهُ السَّلَفُ كُلَّهُ , فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ قَالَ: {كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً} فَبِتِلْكَ الْقُوَّةِ الَّتِي كَانَتْ فِيهِمْ كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يَعْمَلُوا لِلدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ , وَكَذَلِكَ الْأَمْوَالُ وَالْأَوْلَادُ , وَتِلْكَ الْقُوَّةُ وَالْأَمْوَالُ وَالْأَوْلَادُ هِيَ الْخَلَاقُ , فَاسْتَمْتَعُوا بِقُوَّتِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ وَأَوْلَادِهِمْ فِي الدُّنْيَا , وَنَفْسُ الْأَعْمَالِ الَّتِي عَمِلُوهَا بِهَذِهِ الْقُوَّةِ مِنْ الْخَلَاقِ الَّذِي اسْتَمْتَعُوا بِهِ , وَلَوْ أَرَادُوا بِذَلِكَ اللَّهَ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ لَكَانَ لَهُمْ خَلَاقٌ فِي الْآخِرَةِ , فَتَمَتُّعُهُمْ بِهَا أَخْذُ حُظُوظِهِمْ الْعَاجِلَةِ , وَهَذَا حَالُ مَنْ لَمْ يَعْمَلْ إلَّا لِدُنْيَاهُ , سَوَاءٌ كَانَ عَمَلُهُ مِنْ جِنْسِ الْعِبَادَاتِ أَوْ غَيْرِهَا , ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحَانَهُ حَالَ الْفُرُوعِ فَقَالَ: {فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلَاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلَاقِهِمْ} فَدَلَّ هَذَا عَلَى أَنَّ حُكْمَهُمْ حُكْمُهُمْ , وَأَنَّهُ يَنَالُهُمْ مَا نَالَهُمْ ; لِأَنَّ حُكْمَ النَّظِيرِ حُكْمُ نَظِيرِهِ. ثُمَّ قَالَ: {وَخُضْتُمْ كَاَلَّذِي خَاضُوا} فَقِيلَ: الَّذِي صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ , أَيْ كَالْخَوْضِ الَّذِي خَاضُوا , وَقِيلَ: لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ , أَيْ كَخَوْضِ الْقَوْمِ الَّذِي خَاضُوا , وَهُوَ فَاعِلُ الْخَوْضِ , وَقِيلَ: الَّذِي مَصْدَرِيَّةٌ كَمَا أَيْ كَخَوْضِهِمْ , وَقِيلَ: هِيَ مَوْضِعُ الَّذِينَ

قال تعالى:

{أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِن دُونِ اللّهِ وَلاَ رَسُولِهِ وَلاَ الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} (16) سورة التوبة

يقول ابن كثير رحمه الله [1] :

يقول تعالى: {أَمْ حَسِبْتُمْ} أيها المؤمنون أن نترككم مهملين، لا نختبركم بأمور يظهر فيها أهل العزم الصادق من الكاذب؟ ولهذا قال: {وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلا رَسُولِهِ وَلا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً} أي: بطانة ودخيلة بل هم في الظاهر والباطن على النصح لله ولرسوله، فاكتفى بأحد القسمين عن الآخر، كما قال الشاعر:

(1) - تفسير ابن كثير - (ج 4 / ص 118)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت