فهرس الكتاب

الصفحة 27 من 556

ولهذا قال: {فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ} يعني: الموت شاهدتموه في لَمَعان السيوف وحدّ الأسِنّة واشتباك الرِّماح، وصفوف الرجال للقتال.

والمتكلمون يعبرون عن هذا بالتخْييل، وهو مشاهدة ما ليس بمحسوس كالمحسوس كما تَتَخَيل الشاة صداقة الكبش وعداوة الذئب.

ويقول القرطبي رحمه الله[1]:

هذا تسلية من الله تعالى للمؤمنين، والسُّنَن جمع سُنَّة وهي الطريق المستقيم. وفلان على السنة أي على طريق الاسْتِوَاء لا يَميل إلى شيء من الأَهْواء، قال الهذلِيّ:

فلا تَجْزَعَن مِنْ سُنَّة أنت سِرْتَها ... فأوّلُ راضٍ سُنَّةً مَن يَسيرها

والسنة: الإمام المتّبع المؤتَمُّ به، يقال: سنّ فلانٌ سنة حسنة وسيئةً إذا عمل عملًا اقتُدِي به فيه من خيرٍ أو شر، قال لبيد:

مِن مَعشرٍ سَنَّت لهم آباؤهم ... ولكلِّ قومٍ سنةٌ وإمامُها

والسنة الأُمّة، والسنن الأُمَمُ؛ عن المفضل. وأنشد:

ما عايَنَ الناسُ من فَضْلٍ كفضلِهم ... ولا رَأُوا مِثَلهم في سالِفِ السُّننِ

وقال الزجاج: والمعنى أهل سنن، فحذف المضاف. وقال أبو زيد: أمثال. عطاء: شرائع. مجاهد: المعنى {قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ} يعني بالهلاك فيمن كذّب قبلكم كعادِ وثمود. والعاقبة: آخر الأمر، وهذا في يوم أُحد. يقول فأنا أمهلهم وأمْلِي لهم وأستَدْرجهُم حتى يبلغ الكتاب أجله، يعني بنصرة النبيّ صلى الله عليه وسلم والمؤمنين وهلاك أعدائهم الكافرين.

يعني القرآن، عن الحسن وغيره. وقيل: هذا إشارة إلى قوله: {قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ} . والموعظة الوعظ. وقد تقدّم.

عزّاهم وسَلاّهم بما نالهم يوم أحد من القتل والجراح، وحثّهم على قتال عدوّهم ونهاهم عن العجز والفشل فقال {وَلاَ تَهِنُوا} أي لا تضعفوا ولا تجبنُوا يا أصحاب محمد عن جهاد أعدائكم لما أصابكم. {وَلاَ تَحْزَنُوا} على ظهورهم، ولا على ما أصابكم من الهزيمة والمصيبة. {وأَنْتُم الاٌّعْلَوْنَ} أي لكم تكون العاقبة بالنصر والظفر {إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} أي بصدق وَعْدِي. وقيل: «إن» بمعنى «إذ» . قال ابن عباس:"انهزم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أُحد فبينا هم كذلك إذ أقبل خالد بن الوليد بخيل من المشركين، يريد أن يعلُوا عليهم الجبل؛ فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «اللّهم لا يعلُنّ علينا اللّهم لا قوة لنا إلا بك اللّهم ليس يعبدك بهذه البلدة غير هؤلاء النفر» "فأنزل الله هذه الآيات. وثاب نفر من المسلمين رماة فصعِدوا الجبل ورموا خيل المشركين حتى هزموهم؛ فذلك قوله تعالى: {وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ} يعني

(1) - الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - (ج 1 / ص 1123)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت