فهرس الكتاب

الصفحة 28 من 556

الغالبين على الأعداء بعد أُحد. فلم يُخرِجوا بعد ذلك عسكرًا إلاّ ظفِروا في كل عسكر كان في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي كل عسكر كان بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان فيه واحدٌ من الصحابة كان الظفر لهم، وهذه البلدان كلها إنما افتتِحت على عهد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ ثم بعد انقراضهم ما افتتِحت بلدة على الوجه كما كانوا يفتتحون في ذلك الوقت. وفي هذه الآية بيان فضلِ هذه الأُمة؛ لأنه خاطبهم بما خاطب به أنبياءه؛ لأنه قال لموسى: {إِنَّكَ أَنتَ الأعلى} [طاه: 68] وقال لهذه الأُمة: {وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ} . وهذه اللفظة مشتقة من اسمه الأعلى فهو سبحانه العلي، وقال للمؤمنين: {وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ} .

قوله تعالى: {إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ} القرح الجرح. والضم والفتح فيه لغتان عن الكسائي والأخفش؛ مثل عَقْر وعُقْر. الفراء: هو بالفتح الجُرح، وبالضم ألَمُه. والمعنى: إن يمسسكم يوم أُحُدٍ قَرْح فقد مَسّ القوم يوم بَدْرٍ قَرْح مثله. وقرأ محمد بن السَّمَيْقَع «قرح» بفتح القاف والراء على المصدر. {وَتِلْكَ الأيام نُدَاوِلُهَا بَيْنَ الناس} قيل: هذا في الحرب، تكون مرة للمؤمنين لينصر الله عز وجل دينه، ومرة للكافرين إذا عصى المؤمنون ليبتليَهم ويُمَحِّصَ ذنوبهم؛ فأما إذا لم يَعْصوا فإنّ حزب الله هم الغالبون. وقيل: {نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النّاسِ} من فَرَح وَغمّ وصحّةِ وسُقْم وغِنًى وفقْرٍ. والدُّولَةُ الكَرَّة؛ قال الشاعر:

فيومٌ لنا ويومٌ علينا ... ويومٌ نُسَاءُ ويَوْمٌ نُسَرّ

قوله تعالى: {وَلِيَعْلَمَ الله الذين آمَنُوا} معناه، وإنما كانت هذه المدَاولَةُ ليُرَى المؤمنُ من المنافق فيُمَيَّز بعضُهم من بعض؛ كما قال: {وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجمعَانِ فَبِإذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَم المُؤْمِنِينَ. ولِيَعْلَم الّذينَ نَافَقُوا} . وقيل: ليعلَم صبر المؤمنين، العلمَ الذي يقع عليه الجزاء كما علمه غَيْبًا قبل أن كَلّفَهم. وقد تقدّم في «البقرة» هذا المعنى.

قوله تعالى: {وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَآءَ} فيه ثلاث مسائل:

الأولى: قوله تعالى: {وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَآءَ} أي يكرمكم بالشهادة؛ أي لِيُقتلَ قومٌ فيكونوا شهداء على الناس بأعمالهم. وقيل: لهذا قيل شهيد: وقيل: سمي شهيدًا لأنه مشهود له بالجنة وقيل: سمى شهيدًا لأن أرواحهم احتضرت دار السلام، لأنهم أحياء عند ربهم، وأرواح غيرهم لا تصل إلى الجنة؛ فالشهيد بمعنى الشاهد أي الحاضر للجنة، وهذا هو الصحيح على ما يأتي والشهادة فضلها عظيم، ويكفيك في فضلها قوله تعالى: {إِنَّ الله اشترى مِنَ المؤمنين أَنفُسَهُمْ} [التوبة: 111] الآية. وقوله: ياأيها

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت