والخطاب في الآية الكريمة للمؤمنين الذين لم يفوزوا بالشهادة في غزوة أحد، وهو خطاب يجمع بين الموعظة والملام.
والمراد بالموت هنا الشهادة في سبيل الله، أو الحرب والقتال لأنهما يؤديان إلى الموت.
والمعنى: ولقد كنتم - يا معشر المؤمنين - {تَمَنَّوْنَ الموت} ، أى الحرب أو الشهادة في سبيل الله {مِن قَبْلِ أَن تَلْقَوْهُ} أى تشاهدوه وتعرفوا أهواله {فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ} أى فقد رأيتم ما تتمنونه من الموت بمشاهدة أسبابه وهى الحرب وما يترتب عليها من جراح وآلام وقتال {وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ} أى رأيتموه معاينين مشاهدين له حين قتل بين أيديكم من قتل من إخوانكم وأقاربكم وشارفتم أنتم أيها الأحياء أن تقتلوا.
{مِن قَبْلِ أَن تَلْقَوْهُ} متعلق بقوله {تَمَنَّوْنَ} مبين لسبب إقدامهم على التمنى. أى من قبل أن تشاهدوه وتعرفوا مصاعبه.
ففى الجملة الكريمة تعريض بأنهم تمنوا أمرا دون أن يقدروا شدته عليهم، ودون أن يوطنوا أنفسهم على تحمل مشقاته وتبعاته.
والفاء في قوله {فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ} للإفصاح عن شرط مقدر دل عليه صدر الكلام. والتقدير: إذا كنتم قد تمنيتم الموت فقد وقع ما تمنيتموه ورأيتموه رأى العين، فأين بلاؤكم وصبركم وثباتكم؟.
وقوله {وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ} جملة حالية من ضمير المخاطبين مؤكدة لمعنى رأيتموه. أى رأيتموه معاينين له، وهذا على حد قولك: رأيته وليس في عينى علة، أى رأيته رؤية حقيقة لا خفاء ولا التباس.
والتعبير بالمضارع {تَنظُرُونَ} يفيد التصوير. وإحضار الصورة الواقعة في الماضي كأنها واقعة في الحاضر، فيستحضرها العقل كما وقعت، وكما ظهرت في الوجود.
والنظر الذى قرره الله - تعالى - بقوله {وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ} يتضمن النظر إلى الموقعة كلها، وكيف كان النصر في أول الأمر للمسلمين، ثم كيف كانت الهزيمة بعد ذلك بسبب تطلع بعضهم إلى أعراض الدنيا. ثم كيف تفرقت صفوفهم بعد اجتماعها وكيف تضعضعت بعض العزائم بعد مضائها وقوتها.
ولقد حكت الآية الكريمة أن المسلمين كانوا يتمنون الموت في معركة، وليس في ذلك من بأس، بل إن هذا هو شعار المؤمن الصادق، لأن المؤمن الصادق هو الذى يتمنى الشهادة في سبيل الله ومن أجل نصرة دينه، ولقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم"لوددت أنى اقتل في سبيل الله، ثم أحيا، ثم أقتل، ثم أحيا ثم أقتل".