وَغَيْرِ ذَلِكَ. عَلَى خِلَافٍ وَتَفْصِيلٍ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ كَمَا سَيَتَّضِحُ. وَأُطْلِقَتْ الْوَسِيلَةُ فِي الْحَدِيثِ عَلَى مَنْزِلَةٍ فِي الْجَنَّةِ. قَالَ النَّبِيُّ عليه الصلاة والسلام: {سَلُوا اللَّهَ لِي الْوَسِيلَةَ فَإِنَّهَا مَنْزِلَةٌ فِي الْجَنَّةِ لَا تَنْبَغِي إلَّا لِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا هُوَ} . (الْأَلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ) : أ - (الِاسْتِعَانَةُ) : 2 - الِاسْتِعَانَةُ لُغَةً طَلَبُ الْعَوْنِ , وَفِي الِاصْطِلَاحِ كَذَلِكَ. وَتَكُونُ الِاسْتِعَانَةُ بِاَللَّهِ وَبِغَيْرِهِ , أَمَّا الِاسْتِعَانَةُ بِاَللَّهِ فَهِيَ مَطْلُوبَةٌ فِي كُلِّ خَيْرٍ , وَأَمَّا الِاسْتِعَانَةُ بِغَيْرِ اللَّهِ فَفِيهَا تَفْصِيلٌ يُرْجَعُ إلَيْهِ فِي مُصْطَلَحِ (اسْتِعَانَةٌ) . وَالتَّوَسُّلُ وَالِاسْتِعَانَةُ لَفْظَانِ مُتَسَاوِيَانِ لُغَةً وَاصْطِلَاحًا. ب - (الِاسْتِغَاثَةُ) : 3 - الِاسْتِغَاثَةُ طَلَبُ الْغَوْثِ وَالنَّصْرِ , وَفِي الِاصْطِلَاحِ كَذَلِكَ. وَالِاسْتِغَاثَةُ غَيْرُ التَّوَسُّلِ ; لِأَنَّ الِاسْتِغَاثَةَ لَا تَكُونُ إلَّا فِي حَالِ الشِّدَّةِ , وَالتَّوَسُّلُ يَكُونُ فِي حَالِ الشِّدَّةِ وَحَالِ الرَّخَاءِ قَالَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ: وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ إنَّ التَّوَسُّلَ بِنَبِيٍّ هُوَ اسْتِغَاثَةٌ بِهِ , بَلْ الْعَامَّةُ الَّذِينَ يَتَوَسَّلُونَ فِي أَدْعِيَتِهِمْ بِأُمُورٍ , كَقَوْلِ أَحَدِهِمْ: أَتَوَسَّلُ إلَيْك بِحَقِّ الشَّيْخِ فُلَانٍ أَوْ بِحُرْمَتِهِ , أَوْ أَتَوَسَّلُ إلَيْك بِاللَّوْحِ وَالْقَلَمِ أَوْ بِالْكَعْبَةِ , أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَقُولُونَهُ فِي أَدْعِيَتِهِمْ يَعْلَمُونَ أَنَّهُمْ لَا يَسْتَغِيثُونَ بِهَذِهِ الْأُمُورِ , فَإِنَّ الْمُسْتَغِيثَ بِالنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم طَالِبٌ مِنْهُ وَسَائِلٌ لَهُ. وَالْمُتَوَسَّلُ بِهِ لَا يُدْعَى وَلَا يُطْلَبُ مِنْهُ وَلَا يُسْأَلُ , وَإِنَّمَا يُطْلَبُ بِهِ , وَكُلُّ أَحَدٍ يُفَرِّقُ بَيْنَ الْمَدْعُوِّ وَالْمَدْعُوِّ بِهِ. (الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ لِلتَّوَسُّلِ) : 4 - لَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ بِالتَّوَسُّلِ إلَيْهِ بِالْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ مَعَ التَّقْوَى الْمُكَلَّلَةِ بِالْإِيمَانِ الصَّادِقِ فَقَالَ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إلَيْهِ الْوَسِيلَةَ} . قَالَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ وَهَذَا التَّوَسُّلُ بِالْإِيمَانِ بِهِ وَطَاعَتِهِ فَرْضٌ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ فِي كُلِّ حَالٍ , بَاطِنًا وَظَاهِرًا , فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَبَعْدَ مَوْتِهِ , فِي مَشْهَدِهِ وَمَغِيبِهِ , لَا يَسْقُطُ التَّوَسُّلُ بِالْإِيمَانِ بِهِ وَبِطَاعَتِهِ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الْخَلْقِ فِي حَالٍ مِنْ الْأَحْوَالِ بَعْدَ قِيَامِ الْحُجَّةِ عَلَيْهِ , وَلَا بِعُذْرٍ مِنْ الْأَعْذَارِ , وَلَا طَرِيقَ إلَى كَرَامَةِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ وَالنَّجَاةِ مِنْ عَذَابِهِ إلَّا التَّوَسُّلُ بِالْإِيمَانِ بِهِ وَبِطَاعَتِهِ. وَقَدْ مَدَحَ اللَّهُ الْمُتَوَسِّلِينَ إلَيْهِ بِمَا يُرْضِيهِ سُبْحَانَهُ بِقَوْلِهِ: {أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إلَى رَبِّهِمْ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إنَّ عَذَابَ رَبِّك كَانَ مَحْذُورًا} . وَهُنَاكَ صُوَرٌ أُخْرَى لِلتَّوَسُّلِ مِنْهَا: مَا هُوَ جَائِزٌ , وَمِنْهَا مَا هُوَ غَيْرُ جَائِزٍ , عَلَى خِلَافٍ وَتَفْصِيلٍ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ يَاتِي بَيَانُهُ. أَوَّلًا: التَّوَسُّلُ بِأَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى وَصِفَاتِهِ: 5 - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ التَّوَسُّلَ إلَى اللَّهِ تَعَالَى بِأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ مُسْتَحَبٌّ لِأَيِّ شَانٍ مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} . وَقَدْ وَرَدَ فِي السُّنَّةِ الْمُطَهَّرَةِ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ يَتَوَسَّلُ فِيهَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِأَسْمَائِهِ تَعَالَى وَصِفَاتِهِ مِنْهَا: حَدِيثُ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ