فهرس الكتاب

الصفحة 120 من 556

يفهم منها حكم خاصّ، فعلمنا أنّ المقصود الشّرعيّ الأوّل التّعبّد للّه بذلك المحدود، وأنّ غيره غير مقصود شرعًا.

ومنها: أنّه لو كان المقصود التّوسعة في التّعبّد بما حدّ وما لم يحدّ، لنصب الشّارع عليه دليلا واضحا، ولمّا لم نجد ذلك كذلك - بل على خلافه - دلّ على أنّ المقصود الوقوف عند ذلك المحدود، إلا أن يتبيّن بنصّ أو إجماع معنى مراد في بعض الصّور، فلا لوم على من اتّبعه.

لكنّ ذلك قليل، فليس بأصل، وإنّما الأصل ما عمّ في الباب وغلب على الموضع.

18 -ثمّ قال الشّاطبيّ: وأمّا إنّ الأصل في العادات الالتفات إلى المعاني فلأمور:

الأوّل: الاستقراء، فنرى الشّيء الواحد يمنع في حال لا تكون فيه مصلحة، فإذا كان فيه مصلحة جاز كالدّرهم بالدّرهم إلى أجل: تمتنع في المبايعة، ويجوز في القرض.

وكبيع الرّطب من جنس بيابسه.

يمتنع حيث يكون مجرّد غرر وربا من غير مصلحة، ويجوز إذا كان فيه مصلحة راجحة «كما في تمر العرايا أبيح بيعه بالتّمر توسعة على النّاس» ، ولتعليل النّصوص أحكام العادات بالمصلحة كما في قوله تعالى: «وَلَكُمْ في القِصَاصِ حَيَاةٌ» وفي آية تحريم الخمر «إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمْ العَدَاوَةَ والبَغْضَاءَ في الخَمْرِ والمَيْسِرِ ويَصُدَّكُمْ عنْ ذِكْرِ اللَّهِ وِعنِ الصَّلاةِ فَهلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ» وفي حديث: «لا يقضي القاضي بين اثنين وهو غضبان» ونحو ذلك.

والثّاني: أنّ أكثر ما علّل اللّه تعالى في العادات بالمناسب الّذي إذا عرض على العقول تلقّته بالقبول، ففهمنا من ذلك أنّ قصد الشّارع فيها اتّباع المعاني، لا الوقوف مع النّصوص.

بخلاف العبادات، فإنّ المعلوم فيها خلاف ذلك، ولهذا توسّع مالك حتّى قال بقاعدة المصالح المرسلة، والاستحسان.

والثّالث: أنّ الالتفات إلى المعاني في أمور العادات كان معلوما في الفترات، واعتمد عليه العقلاء، حتّى جرت بذلك مصالحهم، سواء أهل الحكمة الفلسفيّة وغيرهم.

إلا أنّهم قصّروا في جملة من التّفاصيل، فجاءت الشّريعة لتتمّم مكارم الأخلاق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت