فهرس الكتاب

الصفحة 121 من 556

ومن هنا أقرّت الشّريعة جملة من الأحكام الّتي كانت في الجاهليّة، كالدّية، والقسامة، والقراض، وكسوة الكعبة، وأشباه ذلك ممّا كان من محاسن العوائد ومكارم الأخلاق الّتي تقبلها العقول.

«المفاضلة بين التّعبّديّ ومعقول المعنى»

19 -نقل ابن عابدين عن صاحب الفتاوى التمرتاشية أنّه قال: لم أقف على شيء من ذلك لعلمائنا في هذا، سوى قولهم: الأصل في النّصوص التّعليل، فإنّه يشير إلى أفضليّة المعقول معناه.

قال: ووقفت على ذلك في فتاوى ابن حجر، قال: قضيّة كلام ابن عبد السّلام أنّ التّعبّديّ أفضل، لأنّه بمحض الانقياد، بخلاف ما ظهرت علّته، فإنّ ملابسه قد يفعل لتحصيل فائدته، وخالفه البلقينيّ فقال: لا شكّ أنّ معقول المعنى من حيث الجملة أفضل، لأنّ أكثر الشّريعة كذلك.

وظاهر كلام الشّاطبيّ الأخذ بقول من يقول: إنّ التّعبّديّ أفضل، وذلك حيث قال: إنّ التّكاليف إذا علم قصد المصلحة فيها فللمكلّف في الدّخول تحتها ثلاثة أحوال:

الأوّل: أن يقصد بها ما فهم من مقصد الشّارع في شرعها.

وهذا لا إشكال فيه، ولكن لا ينبغي أن يخلّيه من قصد التّعبّد، فكم ممّن فهم المصلحة فلم يلو على غيرها، فغاب عن أمر الآمر بها.

وهي غفلة تفوّت خيرات كثيرة، بخلاف ما إذا لم يهمل التّعبّد.

ثمّ إنّ المصالح لا يقوم دليل على انحصارها فيما علم إلا نادرًا، فإذا لم يثبت الحصر كان قصد تلك الحكمة المعيّنة ربّما أسقط ما هو مقصود أيضا من شرع الحكم.

الثّاني: أن يقصد بها ما عسى أن يقصده الشّارع، ممّا اطّلع عليه أو لم يطّلع عليه.

وهذا أكمل من القصد الأوّل، إلا أنّه ربّما فاته النّظر إلى التّعبّد.

الثّالث: أن يقصد مجرّد امتثال الأمر، فهم قصد المصلحة أو لم يفهم.

قال: فهذا أكمل وأسلم.

أمّا كونه أكمل فلأنّه نصب نفسه عبدا مؤتمرا ومملوكا ملبّيا، إذ لم يعتبر إلّا مجرّد الأمر.

وقد وكّل العلم بالمصلحة إلى العالم بها جملة وتفصيلا وهو اللّه تعالى.

وأمّا كونه أسلم، فلأنّ العامل بالامتثال عامل بمقتضى العبوديّة، فإن عرض له قصد غير اللّه ردّه قصد التّعبّد.

فهذا الّذي قاله يتجلّى في التّعبّديّات أكثر ممّا يظهر فيما كان معقول المعنى من الأحكام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت