أحدهما: ما يمكن الوصول إلى معرفته بمسالكه المعروفة كالإجماع والنّصّ والسّبر والإشارة والمناسبة، وهذا هو القسم الظّاهر الّذي نعلّل به، وتقول: إنّ الأحكام شرعت لأجله.
والثّاني: ما لا يمكن الوصول إليه بتلك المسالك المعهودة، ولا يطّلع عليه إلّا بالوحي كالأحكام الّتي أخبر الشّارع فيها أنّها أسباب للخصب والسّعة وقيام أبّهة الإسلام - كقوله تعالى في سياق قصّة نوح: «فَقُلتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّه كانَ غَفَّارًَا يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَليكمْ مِدْرَارًَا وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًَا» .
فلا يعلم وجه كون الاستغفار سببًا للمطر وللخصب إلا بالوحي.
ولذلك لا يقاس عليه، فلا يعلم كون الاستغفار سببا في حصول العلم وقوّة الأبدان مثلًا، فلا يكون إلى اعتبار هذه العلّة في القياس سبيل، فبقيت موقوفة على التّعبّد المحض.
ولذا يكون أخذ الحكم المعلّل بها متعبّدا به، ومعنى التّعبّد هنا: الوقوف عند ما حدّ الشّارع فيه.
«حكمة تشريع التّعبّديّات»
13 -حكمة تشريع التّعبّديّات استدعاء الامتثال، واختبار مدى الطّاعة والعبوديّة.
وقد عبّر عن ذلك الغزاليّ في الإحياء بقوله - في بيان أسرار رمي الجمار - وظّف اللّه تعالى على العباد أعمالا لا تأنس بها النّفوس، ولا تهتدي إلى معانيها العقول، كرمي الجمار بالأحجار، والتّردّد بين الصّفا والمروة على سبيل التّكرار.
وبمثل هذه الأعمال يظهر كمال الرّقّ والعبوديّة، فإنّ الزّكاة إرفاق، ووجهه مفهوم، وللعقل إليه ميل، والصّوم كسر للشّهوة الّتي هي آلة عدوّ اللّه، وتفرّغ للعبادة، بالكفّ عن الشّواغل.
والرّكوع والسّجود في الصّلاة تواضع للّه عزّ وجلّ بأفعال هي هيئة التّواضع، وللنّفوس السّعي بتعظيم اللّه عزّ وجلّ.
فأمّا تردّدات السّعي ورمي الجمار وأمثال هذه الأعمال، فلا حظّ للنّفوس فيها ولا أنس للطّبع بها، ولا اهتداء للعقول إلى معانيها، فلا يكون في الإقدام عليها باعث إلّا الأمر المجرّد، وقصد الامتثال للأمر من حيث إنّه أمر واجب الاتّباع فقط، وفيه عزل للعقل عن تصرّفه وصرف النّفس والطّبع عن محلّ أنسه.
فإنّ كلّ ما أدرك العقل معناه مال الطّبع إليه ميلا ما، فيكون ذلك الميل معيّنا للأمر وباعثا معه على الفعل، فلا يكاد يظهر به كمال الرّقّ والانقياد.