ولذلك قال النّبيّ صلى الله عليه وسلم في الحجّ على وجه الخصوص: «لبّيك بحجّة حقًّا، تعبُّدًا ورِقًّا» ولم يقل ذلك في صلاة ولا غيرها.
وإذا اقتضت حكمة اللّه تعالى ربط نجاة الخلق بأن تكون أعمالهم على خلاف هوى طباعهم، وأن يكون زمامها بيد الشّرع، فيتردّدون في أعمالهم على سنن الانقياد وعلى مقتضى الاستعباد، كان ما لا يهتدى إلى معانيه أبلغ أنواع التّعبّدات في تزكية النّفوس، وصرفها عن مقتضى الطّباع والأخلاق إلى مقتضى الاسترقاق.
«طرق معرفة التّعبّديّ»
14 -لم يعرف في تمييز التّعبّديّات عن غيرها من الأحكام المعلّلة وجه معيّن، غير العجز عن التّعليل بطريق من الطّرق المعتبرة، على ما هو معلوم في مباحث القياس من علم الأصول.
ولذلك يقول ابن عابدين: ما شرعه اللّه إن ظهرت لنا حكمته، قلنا: إنّه معقول المعنى، وإلّا قلنا: إنّه تعبّديّ.
وإلى هذا يشير كلام الغزاليّ المتقدّم آنفا، من أنّ المصير إلى التّعبّد نوع ضرورة يرجع إليها عند العجز.
ومن هنا اختلفت أقوال الفقهاء في اعتبار بعض الأحكام تعبّديّا أو معقول المعنى، فما يراه بعض الفقهاء تعبّديّا قد يراه البعض الآخر معلّلا بمصالح غلب على ظنّه رعايتها.
فمن ذلك أنّ صاحب الدّرّ المختار قال: إنّ تكرار السّجود أمر تعبّديّ، أي لم يعقل معناه، تحقيقا للابتلاء.
وقال ابن عابدين: وقيل: إنّه ثنّي ترغيما للشّيطان، حيث أمر بالسّجود مرّة فلم يسجد، فنحن نسجد مرّتين.
وكون طلاق الحائض بدعيّا، قيل: هو تعبّديّ.
قال الدّردير: والأصحّ أنّه معلّل بتطويل العدّة، لأنّ أوّلها من الطّهر بعد الحيض.
والسّعي بين الصّفا والمروة ورمي الجمار يمثّل بها الفقهاء لغير المعقول المعنى، كما تقدّم عن الغزاليّ.
غير أنّ بعض العلماء يعلّلونه وأمثاله ممّا وضع من المناسك على هيئة أعمال بعض الصّالحين، كالسّعي الّذي جعل على هيئة سعي أمّ إسماعيل عليه السلام بينهما.
يقول تقيّ الدّين بن دقيق العيد: في ذلك من الحكمة تذكّر الوقائع الماضية للسّلف الكرام، وفي طيّ تذكّرها مصالح دينيّة، إذ يتبيّن في أثناء كثير