وتحت"من"و"إلى"في هذا سرّ عظيم من أسرار التوحيد؛ فإنّ الفرارَ إليه سبحانَه يتضمنُ إفرادَه بالطلبِ والعبوديةِ، ولوازمها من المحبة والخشية والإنابة والتوكل وسائر منازل العبودية، فهو متضمن لتوحيد الإلهية [1] التي اتفقتْ عليها [2] دعوةُ الرسل صلوات الله وسلامه عليهم [أجمعين] [3] .
وأما [4] الفرار منه إليه؛ فهو متضمن لتوحيدِ الربوبية وإثباتِ القَدَر، وأن كلَّ ما في الكون من المكروه والمحذور الذي يفرّ منه العبد، فإنما أوجبتْه مشيئةُ الله وحدَه؛ فإنه ما شاء [5] اللهُ كان ووجبَ وجودُه بمشيئته، وما لم يَشَأْ لم يكن، وامتنع وجوده لعدم مشيئته، فإذا فرَّ العبدُ إلى الله فإنما يَفِرُّ من شيء [إلى شيء] [6] وُجِدَ بمشيئة الله وقَدَره؛ فهو في الحقيقة فار من الله إليه.
ومن تصوَّرَ هذا حقَّ تَصَوُّرِه فَهِمَ معنى قوله - صلى الله عليه وسلم:"وأعوذُ بك منكَ" [7] وقوله:"لا مَلْجَأَ ولا منجَى منك إلا إليك" [8] . فإنه ليس
(1) في بعض النسخ:"الألوهية".
(2) في الأصل وبعض النسخ:"عليه"، والمثبت من ط.
(3) من ط.
(4) في الأصل:"فأما".
(5) ط:"فان ما شاء".
(6) الزيادة من ط.
(7) أخرجه مسلم (486) من حديث عائشة ضمن دعاء مشهور للنبي - صلى الله عليه وسلم -.
(8) أخرجه البخاري (247 ومواضع أخرى) ومسلم (2710) من حديث البراء بن عازب ضمن الدعاء الذي علّمه النبي - صلى الله عليه وسلم - عند النوم.