فَيُقَالُ: قَدْ نَهَى عَنْهُ مَنْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ بِقَوْلِهِ ( «إِنَّهُ الْمَوْءُودَةُ الصُّغْرَى» ) وَالْوَأْدُ كُلُّهُ حَرَامٌ. قَالُوا: وَقَدْ فَهِمَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ النَّهْيَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَمَّا ذُكِرَ الْعَزْلُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ( «لَا عَلَيْكُمْ أَلَّا تَفْعَلُوا ذَاكُمْ فَإِنَّمَا هُوَ الْقَدَرُ» ) .
قَالَ ابن عون: فَحَدَّثْتُ بِهِ الحسن فَقَالَ: وَاللَّهِ لَكَأَنَّ هَذَا زَجْرٌ. قَالُوا: وَلِأَنَّ فِيهِ قَطْعَ النَّسْلِ الْمَطْلُوبِ مِنَ النِّكَاحِ وَسُوءَ الْعِشْرَةِ وَقَطْعَ اللَّذَّةِ عِنْدَ اسْتِدْعَاءِ الطَّبِيعَةِ لَهَا.
قَالُوا: وَلِهَذَا كَانَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَا يَعْزِلُ، وَقَالَ: (لَوْ عَلِمْتُ أَنَّ أَحَدًا مِنْ وَلَدِي يَعْزِلُ لَنَكَّلْتُهُ) ، وَكَانَ علي يَكْرَهُ الْعَزْلَ ذَكَرَهُ شعبة عَنْ عاصم عَنْ زر عَنْهُ. وَصَحَّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ فِي الْعَزْلِ: هُوَ الْمَوْءُودَةُ الصُّغْرَى. وَصَحَّ عَنْ أبي أمامة أَنَّهُ سُئِلَ عَنْهُ، فَقَالَ: (مَا كُنْتُ أَرَى مُسْلِمًا يَفْعَلُهُ) وَقَالَ نافع عَنِ ابْنِ عُمَرَ (ضَرَبَ عمر عَلَى الْعَزْلِ بَعْضَ بَنِيهِ) .
وَقَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ قَالَ: (كَانَ عمر وعثمان يَنْهَيَانِ عَنِ الْعَزْلِ) .
وَلَيْسَ فِي هَذَا مَا يُعَارِضُ أَحَادِيثَ الْإِبَاحَةِ مَعَ صَرَاحَتِهَا وَصِحَّتِهَا، أَمَّا حَدِيثُ جدامة بنت وهب، فَإِنَّهُ وَإِنْ كَانَ رَوَاهُ مسلم، فَإِنَّ الْأَحَادِيثَ الْكَثِيرَةَ عَلَى خِلَافِهِ، وَقَدْ قَالَ أبو داود: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أبان، حَدَّثَنَا يحيى أَنَّ محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان حَدَّثَهُ أَنَّ رفاعة حَدَّثَهُ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ( «أَنَّ رَجُلًا قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ لِي جَارِيَةً وَأَنَا أَعْزِلُ عَنْهَا، وَأَنَا أَكْرَهُ أَنْ تَحْمِلَ، وَأَنَا أُرِيدُ مَا يُرِيدُ الرِّجَالُ، وَإِنَّ الْيَهُودَ تُحَدِّثُ أَنَّ الْعَزْلَ الْمَوْءُودَةُ الصُّغْرَى. قَالَ:"كَذَبَتْ يَهُودُ لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَخْلُقَهُ مَا اسْتَطَعْتَ أَنْ تَصْرِفَهُ» ) ."
وَحَسْبُكَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ صِحَّةً فَكُلُّهُمْ ثِقَاتٌ حُفَّاظٌ وَقَدْ أَعَلَّهُ بَعْضُهُمْ بِأَنَّهُ