والأمثلة على ذلك كثيرة، وهي مبسوطة في كتب السنة والسيرة النبوية.
ومن اللفتات اللطيفة في هذا المقام أن النبي صلى الله عليه وسلم رفض التفاوض في مكة رغم الضعف والبلاء، وقَبِلَهُ في المدينة رغم العزة والتمكين!، وذلك كما في الحديبية، وهو مشهور، وكما في غزوة الأحزاب حين رغب في إعطاء غطفان ثلث ثمار المدينة على أن يرجعوا عن حصار المدينة وينسحبوا من المعركة.
وقد رُوي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لما عرض على قبيلة غطفان أن يعطيهم ثلث ثمار المدينة على أن يرجعوا، طلبوا أن يعطيهم النصف، فأبى [1] !
كذلك رُوي عن سعد بن معاذ رضي الله عنه أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله قد كنا نحن وهؤلاء على الشرك بالله وعبادة الأوثان، لا نعبد الله ولا نعرفه، وهم لا يطمعون أن يأكلوا منها ثمرة واحدة إلا قِرىً أو بيعًا، أفحين أكرمنا الله بالإسلام وهدانا له وأعزنا بك وبه، نعطيهم أموالنا؟، ما لنا بهذا من حاجة، والله لا نعطيهم إلا السيف، حتى يحكم الله بيننا وبينهم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: [أنت وذاك] ، فتناول
(1) لا نذكر الحديث استشهادًا به كأصل في المسألة، فهو مروي عن الواقدي، والواقدي مدلس متروك مردود الحديث كما قال المحققون من أهل الحديث، وإنما نذكره على سبيل الاستئناس والمتابعة، بعد أن أثبتنا أصل منهج النبي صلى الله عليه وسلم في التفاوض.