القِسْمُ الثَّانِي: مَا وَجَبَ تَبَعًا لغَيْرِهِ وَهُوَ نَوْعَانِ:.
أَحَدُهُمَا: مَا كَانَ وُجُوبُهُ احْتِيَاطًا للعِبَادَةِ ليَتَحَقَّقَ حُصُولهَا كَغَسْل المِرْفَقَيْنِ فِي الوُضُوءِ فَإِذَا قُطِعَتْ اليَدُ مِنْ المِرْفَقِ هَل يَجِبُ غَسْل رَأْسِ المِرْفَقِ الآخَرِ أَمْ لا؟ عَلى وَجْهَيْنِ: أَشْهَرُهُمَا عِنْدَ الأَصْحَابِ الوُجُوبُ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلامِ أَحْمَدَ.
وَاخْتَارُ القَاضِي فِي كِتَابِ الحَجِّ مِنْ خِلافِهِ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ وَحُمِل كَلامُ أَحْمَدَ عَلى الاسْتِحْبَابِ.
هَذَا إذَا بَقِيَ شَيْءٌ مِنْ العِبَادَةِ كَمَا فِي وُضُوءِ الأَقْطَعِ، أَمَّا إذَا لمْ يَبْقَ شَيْءٌ بِالكُليَّةِ سَقَطَ التَّبَعُ كَإِمْسَاكِ جُزْءٍ مِنْ الليْل فِي الصَّوْمِ فَلا يَلزَمُ مَنْ أُبِيحَ لهُ الفِطْرُ بِالاتِّفَاقِ.
وَالثَّانِي: مَا وَجَبَ تَبَعًا لغَيْرِهِ عَلى وَجْهِ التَّكْمِيل وَاللوَاحِقَ مِثْل رَمْيِ الجِمَارِ وَالمَبِيتِ بِمِنًى لمَنْ لمْ يُدْرِكْ الحَجَّ، فَالمَشْهُورُ أَنَّهُ لا يَلزَمُهُ لأَنَّ ذَلكَ كُلهُ مِنْ تَوَابِعِ الوُقُوفِ بِعَرَفَةَ، فَلا يَلزَمُ مَنْ لمْ يَقِفْ بِهَا.
وَحَكَى ابْنُ أَبِي مُوسَى رِوَايَةً أُخْرَى بِلزُومِهَا؛ لأَنَّهَا عِبَادَاتٌ فِي نَفْسِهَا مُسْتَقِلةٌ، وَمِنْ أَمْثِلةِ ذَلكَ: المَرِيضُ إذَا عَجَزَ فِي الصَّلاةِ عَنْ وَضْعِ وَجْهِهِ عَلى الأَرْضِ وَقَدَرَ عَلى وَضْعِ بَقِيَّةِ أَعْضَاءِ السُّجُودِ، فَإِنَّهُ لا يَلزَمُهُ ذَلكَ عَلى الصَّحِيحِ، لأَنَّ السُّجُودَ عَلى بَقِيَّةِ الأَعْضَاءِ إنَّمَا وَجَبَ تَبَعًا للسُّجُودِ عَلى الوَجْهِ وَتَكْمِيلًا لهُ.
وَالقِسْمُ الثَّالثُ: مَا هُوَ جُزْءٌ مِنْ العِبَادَةِ وَليْسَ بِعِبَادَةٍ فِي نَفْسِهِ بِانْفِرَادِهِ، أَوْ هُوَ غَيْرُ مَأْمُورٍ بِهِ لضَرُورَةٍ
فَالأَوَّل: كَصَوْمِ بَعْضِ اليَوْمِ لمَنْ قَدَرَ عَليْهِ وَعَجَزَ عَنْ إتْمَامِهِ فَلا يَلزَمُهُ بِغَيْرِ خِلافٍ.
وَالثَّانِي: كَعِتْقِ بَعْضِ الرَّقَبَةِ فِي الكَفَّارَةِ فَلا يَلزَمُ القَادِرَ عَليْهِ إذَا عَجَزَ عَنْ التَّكْمِيل لأَنَّ الشَّارِعَ قَصْدُهُ تَكْمِيل العِتْقِ مَهْمَا أَمْكَنَ، وَلهَذَا شَرَعَ السِّرَايَةَ وَالسِّعَايَةَ وَقَال: {ليْسَ للهِ شَرِيكٌ} فَلا يَشْرَع عِتْقُ بَعْضِ الرَّقَبَةِ.
القِسْمُ الرَّابِعُ: مَا هُوَ جُزْءٌ مِنْ العِبَادَةِ وَهُوَ عِبَادَةٌ مَشْرُوعَةٌ فِي نَفْسِهِ فَيَجِبُ فِعْلهُ عِنْدَ تَعَذُّرِ فِعْل الجَمِيعِ بِغَيْرِ خِلافٍ، ويتفرع عَليْهِ مَسَائِل كَثِيرَةٌ:
مِنْهَا: العَاجِزُ عَنْ القِرَاءَةِ يَلزَمُهُ القِيَامُ لأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ مَقْصُودُهُ الأَعْظَمُ القِرَاءَةَ لكِنَّهُ أَيْضًا مَقْصُودٌ فِي نَفْسِهِ وَهُوَ عِبَادَةٌ مُنْفَرِدَةٌ.
وَمِنْهَا: مَنْ عَجَزَ عَنْ بَعْضِ الفَاتِحَةِ لزِمَهُ الإِتْيَانُ بِالبَاقِي.
وَمِنْهَا: مَنْ عَجَزَ عَنْ بَعْضِ غُسْل الجَنَابَةِ لزِمَهُ الإِتْيَانُ بِمَا قَدَرَ مِنْهُ لأَنَّ تَخْفِيفَ الجَنَابَةِ مَشْرُوعٌ