وإذا كان التجديد والاجتهاد عملًا فرديًّا فيما مضى فإنه اليوم عمل جماعي، تقوم به طائفة من المؤمنين، على تنوعها واختلاف تخصصاتها، تجدِّد العهد بتمسك السابقين الأولين بأصول هذا الدين، وتنفي عنه انحرافات وتأويلات الزائغين والضالين، وتُذكِّر الأمة بأخلاق المجاهدين، وتسعى لإعداد المستطاع من كل قوة تحقِّق النصر المبين.
تصديقًا لوعده وخبره ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ عَلَى رَأْسِ كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ مَنْ يُجَدِّدُ لَهَا دِينَهَا» () .
قال الله تعالى: {وَٱللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰٓ أَمۡرِهِۦ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ} [يوسف: 21] .
الأمة الإسلامية ظافرة منصورة
يعتقد المسلمون أن بالشرع المطهر، والواقع المعاصر من مبشرات النصر وأسباب التفاؤل الكثير! فقد مرَّت بالمسلمين مِحَنٌ وأزمات، وكوارث ونكبات، خرجت منها الأمة ظافرةً منصورةً، قاهرةً لأعدائها، مستعليةً بإيمانها، مستمسكةً بكتاب ربها وسنة نبيها ﷺ، وأصول دينها، وما خبر انكسار الحملات الصليبية والتترية عن الذاكرة ببعيد.
فالإسلام قَدَرُ هذه الأمة الغالبُ الذي لا يُغالَب، وهو يعلو ولا يُعلى!
قال الله تعالى: {وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ 171 إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ 172 وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ} [الصافات: 171- 173] .
الفصل الثاني
وحدة الأمة وتحدياتها
وحدة الأمة وخصائصها
المسلمون -بعربهم وعجمهم، وعلى اختلاف أعراقهم وألوانهم- أمة واحدة، قاعدتها الأخوة الإسلامية، ولها هوية تنبع من إيمانها وعقيدتها، وشخصية تتميز بحضارتها وثقافتها، والأمة المسلمة خير أمة أُخرجت للناس، وهي الأمة الوسط، والمعصومة من الاجتماع على ضلالة، وهي الأمة المنصورة المرحومة، الشاهدة على الخلائق يوم القيامة، أمة السماحة والرحمة، والعفو والسعة في الدنيا والآخرة.
قال الله تعالى: {إِنَّ هَٰذِهِۦٓ أُمَّتُكُمۡ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗ وَأَنَا۠ رَبُّكُمۡ فَٱعۡبُدُونِ} [الأنبياء: 92] .
علاقة الأمة بغيرها من الأمم
الأمم غير المسلمة يجمعها اسم أمة الدعوة، وتشترك الأمة المسلمة -وهي أمة الإجابة- مع غيرها في مهمة عمارة الأرض، وبناء الحضارة، وعليه؛ فإن علاقتها بغيرها من الأمم تقوم على التعارف والمعروف، وتفهُّم التنوع والاختلاف، والتشاور والتعاون على إحقاق الحق، ونشر الخير والسِّلم، ونصر المظلوم، والتناهي عن الإثم والعدوان، وإقامة العدل والبر والإحسان.
قال الله تعالى: { يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقۡنَٰكُم مِّن ذَكَرٖ وَأُنثَىٰ وَجَعَلۡنَٰكُمۡ شُعُوبٗا وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوٓاْۚ إِنَّ أَكۡرَمَكُمۡ عِندَ ٱللَّهِ أَتۡقَىٰكُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٞ} [الحجرات: 13] .
أمة الإجابة وأهل القبلة وأحكامهم
والمسلمون هم أمة الإجابة، وأهل القبلة، وهم كل من شهد لله تعالى بالتوحيد، وللنبي ﷺ بالرسالة، وصلى صلاتنا، واستقبل قبلتنا، وإن عصى، أو أخطأ، أو ابتدع بدعًا لا تُخرجه من الملة.
وفِرق أهل القبلة تتفاوت قُربًا وبُعدًا من السنة؛ ولكلٍّ أحكام.
وأصحاب السبل المنحرفة عن جادة السنة قد يُسَمَّون بأهل البدع والأهواء؛ فيُدعون إلى الحق والمعروف، ويُنهون عن الباطل والمنكر بالحكمة والموعظة الحسنة أولًا، وقد يؤخذون بالتألُّف والمداراة، أو بالهجر والمجافاة؛ بناء على ما يُتوخَّى من تحصيل المصالح وتكميلها، ودرء المفاسد وتقليلها.
فيُوالَون بحسب ما عندهم من إيمان وطاعة؛ فتُعصم دماؤهم، وتُرعى حرماتهم، ويُؤمرون بالمعروف، ويُنهون عن المنكر؛ إذ هم من أهل الإيمان في الدنيا، وإن كانوا من أهل الوعيد في الآخرة، وأمرهم فيها إلى الله تعالى.